إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 18 نوفمبر 2015

262 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثالث و العشرون السبئيون


262

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
  
الفصل الثالث و العشرون

السبئيون

لقد أدهشت هذه المملكة السبئية "سليمان" حين جاءت مع قافلة كبيرة من الجمال تحمل هدايا وألطافاً من اًثمن المواد الثمينة بالقياس إلى ذلك العهد، و إذا كانت هذه الزيارة قد تمت من العربية الجنوبية حقاً، فلا بد إنها تكون قد قطعت مسافة طويلة حتى بلغت مقر "سليمان" في حوالي السنة "950 ق. م.".

و إذا أخذنا بحديث التوراة عن تجار "شبا" "سبأ"، وعن قوافل السبئيين التي كانت تأتي بالذهب وباللبان وبأفخر أنواع الطيب إلى فلسطين، وذلك في أيام "سليمان" وقبل أيامه أيضاً، وجب رجع زمان هذه القوافل إذن إلى الألف الثانية قبل الميلاد، وذلك لأن زيارة الملكة: ملكة سبأ لسليمان، كانت في حوالي السنة "950 ق. م."، ومعنى هذا إن السبئيين كانوا إذ ذاك من الشعوب العربية الجنوبية النشيطة في ذلك العهد. وقد كانوا أصحاب تجارة وقوافل وأموال لا يبالون ببعد الشقة وطول المسافة، فوصلوا بتجارتهم في ذلك الزمان إلى بلادة لشام.

وقد قص القرآن الكريم قصة زيارة ملكة "سبأ" لسليمان دون إن يذكر اسم المملكة، غير إن المفسرين والمؤرخين وأهل الأخبار ذكروا إنها "بلقيس" وأنها من بنات التبابعة، وقد صيرها بعضهم "بلقيس بنت ايليشرح"، أو "بلقمة ابنة اليشرح"، أو "بلقيس بنت ذي شرح بن ذي جدن بن ايلي شرح بن الحارث بن قبس بن صيفي بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان"، وهي "بلقيس ابنة الهدهاد بن شرحبيل"، إلى غير ذلك من أقوال. وأرى إن الذين جعلوا اسم والدها الهدهاد، إنما أخذوا ذلك من "الهدهد" الطير الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، والذي نقل نبأ ملكة سبأ إلى سليمان. وقد كان الهدهاد على زعمهم في عداد ملوك اليمن، وجعلوا سليمان ملكاً على اليمن كذلك، جعلوا ملكه على إليمن ثلاثمائة وعشرين سنة، وجعلوا لملك "بلقيس" وحدها مئة وعشرين سنة، إلى غير ذلك من أقوال.

وقد صير "ابن دريد" اسم بلقيس "بلقمة"، وأوجد تعليلاً لهذه التسمية فقال: إنها من "اليلمق"، و اليلمق القباء المحشو، ويقال إنه فارسي معرب.

وذكر بعض أهل الأخبار إن "بلقيس" لم تكن متزوجة حين قدمت على سليمان، فقال لها "سليمان": لا تصلح امرأة بلا زوج، فزوجها من "سدد بن زرعة"، وهكذا صيروا أمر مملكة سبأ كله بيد سليمان، حتى أمر اختيار زوج لها.

ويرى بعض الباحثين إن ما جاء في التوراة عن السبئيين، لا يعتمد على موارد أصلية ومنابع موثوقة، بل أخذ من موارد ثانوية، ولهذا فإن في الذي جاء في مما عنهم يحملنا على اعتباره مادة كدرة، ليس فيها صفاء.

وقد ذكر السبئيون في المؤلفات اليونانية واللاتينة، وأقدم من ذكرهم من اليونان "ثيوفراستس". والمعلومات التي أوردها عنهم وعن جزيرة العرب وان كانت ساذجة ذات طابع خرافي في بعض الأحيان، إلا إن بعضاً منها صحيح، وقد أخذ من أقوال التجار، ولا سيما تجار الإسكندرية الذين كانوا يستقبلون السلع من العربية الجنوبية وإفريقية، ومن قصص النوتيين الذين كانوا يسلكون البحر الأحمر، و يصلون إلى العربية الجنوبية وسواحل إفريقية والهند للاتجار. وهي قصص سطحية تميل إلى المبالغات. غير إن هذه المعلومات، على الرغم من هذه النقائص و أمثالها مما تتصف به، هي ذات فائدة كبيرة لمن يريد الوقوف على حالة جزيرة العرب في ذلك العهد، وقد تحسنت الأخبار اليونانية واللاتينية منذ الميلاد فما بعد تحسنا عظيماً، ومردّ ذلك إلى الاتصال المباشر الذي تم منذ ذلك العهد وما بعده بين اليونان و اللاتين والعرب، وإلى الأطماع السياسية التي أظهروها تجاه جزيرة العرب، تلك الأطماع التي جعلتهم يسلكون مختلف الطرق لحصول على معلومات عن بلاد العرب، وحالة سكانها ومواطن الضعف التي لديهم للولوج منها في بلادهم، ولتحقيق مطامع استعمارية رمت ابتلاع جزيرة العرب. ولذلك اعتبروا ما يحصلون عليه من أخبار عن هذه البلاد من أسرار الدولة التي لا يحوز إفشاؤها ولا عرضه للناس، وهي قد جمعت أضابير وخزنت في الإسكندرية، لم يسمح إلا لبعض الخاصة من العلماء الثقات الاستفادة منها.

ويعود غالب عمنا بأحوال السبئيين إلى الكتابات السبئية التي عثر عليها في مواضع متعددة من العربية الجنوبية، ولا سيما في الجوف مقر السبئيين. وهي أكثر عدد من الكتابات المعينية و القتبانية والحضرمية وغيرها. وهي تشاركها في قلة عدد المؤرخ منها. وقد أرخ قسم من النصوص المؤرخة بأيام حكم سبأ أو بأيام أصحاب الجاه والنفوذ. ولذلك صعب على الباحثين تثبيت تواريخها حسب التقاويم الحالية المستعملة عندنا، لعدم علمهم بأيام حكمهم و بشخصياتهم، وصار تقديرهم لها تقديراً غير مؤكد ولا مضبوط، بتقويم حمير الذي يبدأ عادة بحوالي السنة "115" قبل الميلاد، أو السنة "109" قبل الميلاد على بعض الآراء. فان من السهل علينا تثبيت زمنها بالنسبة لسني الميلاد، وذلك بطرح الرقم "115" أو "109" من التقويم الحميري، فيكون التأريخ من السنين التأريخ حسب التقويم الميلادي بصورة تقريبية.

ومبدأ تقويم حمير هو السنة التي تلقب بها ملوك سبأ بلقب جديد، هو لقب  

"ملك سبأ وذو ريدان". وهو لقب يشير إلى حدوث تطور خطر في حكم ملوك سبأ، إذ يعنى ذلك إن ملوك سبأ أضافوا إلى ملك سباً ملكاً. جديداً، هو أرض "ذو ريدان"، أرض الريدانيين، وهم الحميرين، فتوسع بذلك ملكهم، وزاد عدد نفوسهم، فأرخوا بسنة التوسع هذه، واعتبروها مبدأ لتقويم. والعلماء الباحثون في تأريخ سبأ، هم الذين استنبطوا إن هذا المبدأ هو في حوالي السنة "115" أو "109" قبل الميلاد.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق