1217
عمر بن عبد العزيز ( معالم التجديد والاصلاح الراشدى ) على منهاج النبوة
الفصل التاسع : عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الخامس : حياته الاجتماعية والعلمية والدعوية:
أولاً : الحياة الاجتماعية:
* ـ حياته مع الناس:
20 ، عمر والشعراء:
لما استخلف عمر بن عبد العزيز وفد الشعراء إليه فأقاموا ببابه أياماً لا يؤذن لهم، فبينما هم كذلك وقد أزمعوا على الرحيل إذ مر بهم رجاء بن حيوة ـ وكان من خطباء أهل الشام ـ فلما رآه جرير داخلاً على عمر أنشأ يقول:
يا أيها الرجل المرخي عمامته
هذا زمانك فاستأذن لنا عمرا
قال: فدخل ولم يذكر من أمرهم شيئاً، ثم مرّ بهم عدي بن أرطأة، فقال له جرير:
يا أيها الرجل المرخي مطيته
هذا زمانك إني قـد مضى زمني
أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه
أنَّي لدى الباب كالمصفود في قرن
لا تنس حاجتنا لقّيت مغفرة
قد طال مكثي عن أهلي وعن وطني
فدخل عدي على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين، الشعراء ببابك وسهامهم مسمومة وأقوالهم نافذة، قال: ويحك يا عدي مالي وللشعراء، قال: أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، قال: كيف؟ قال: امتدحه العباس بن مرداس السلمي فأعطاه حلة قطع بها لسانه، قال: أو تروي من قوله شيئاً؟ قال: نعم، فأنشده يقول:
رأيتك يا خيـر البريـة كلهـا
نشرت كتاباً جاء بالحق معلماً
شرعت لنا دين الهدى بعد جورنا
عن الحق لما أصبح الحق مظلماً
ونـورت بالتبيان أمـراًَ مدلساً
وأطفأت بالقـرآن ناراً تضرماً
قال: ويحك يا عدي، من بالباب منهم، فذكر له أسماء الشعراء، عمر بن عبد الله بن ربيعة، والفرزدق، والأخطل وجرير، فرد الجميع إلا جرير فسمح له بالدخول، فدخل جرير وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداً
جعل الخلافة للإمام العادل
وسع الخلائق عدله ووفاؤه
حتى أرعوى فأقام ميل المائل
إني لأرجو منك خيراً عاجلاً
والنفس مولعة بحب العاجل
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير ، اتق الله ولا تقل إلا حقاً ، نشأ جرير يقول:
أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت
أم قـد كفاني بمـا بُلِّغْتَ من خيري
كم باليمامة مـن شعثاءَ أرملة
ومـن يتيم ضعيف الصـوت والنَّظَرِ
ممن يعدُّكَ تكِفي فقـد والِدِه
كالفَرخَ في العـش لم ينهض ولم يطر
يدعوك دعوة ملهوف كأنَّ به
خبلاً مـن الجِنَّ أو مساّ مـن البشر
خليفة الله مـاذا تأمرون بنـا
لسـنا إليكم ولا فـي حـار منتظر
ما زلت بعدك في هـم يُؤرقني
قد طال في الحيِّ إصعادي ومنحدري
لا ينفـع الحاضر المجهود بادينا
ولا يعـود لنـا بـادٍ على حضـر
إنا لنرجو إذا مـا الغيث أخلفنا
مـن الخليفة ما نرجو مـن المطـر
نـال الخلافة إذ كانت لـه قدراً
كمـا أتى ربَّهُ موسـى على قـدر
هذي الأرامل قد قضَّيت حاجتها
فمـن لحاجة هـذا الأرمل الذكـر
الخير ما دمـت حيـاً لا يفارقنا
بوركت يا عمر الخيرات مـن عمر
فقال: يا جرير ما أرى لك فيما ها هنا حقاً، قال: بلى يا أمير المؤمنين أنا ابن سبيل ومنقطع. فأعطاه من صلب ماله مائة درهم... ثم خرج، فقال له الشعراء: ما وراءك؟ قال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين وهو يعطي الفقراء ويمنع الشعراء وإني عنه لراضٍ، ثم أنشأ يقول:
رأيت رُقَـي الشيطان لا تستفزه
وقـد كان شيطاني من الجن راقيا
وهذا منهج جديد في عهد الدولة الأموية للتعامل مع الشعراء فقد كان الشعراء يمدحون الملوك والأمراء طلباً لرفدهم، ويدخلون في قصائدهم المبالغات والكذب إلى أن تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، فقصدوه، فكان موقفه من الشعراء كما تبين من الخبر المذكور، فقطع تلك العادة التي تفسد بنية المجتمع وتشجع على سيادة الأخلاق السيئة من الكذب والتغرير والنفاق، فقطع تلك العادة السيئة ولم تعد إلى الظهور إلا بعد وفاته ولقد اعترف جرير بأن الشياطين كانوا من وراء الشعراء في استفزاز الأمراء الممدوحين، وأن عمر بن عبد العزيز قد تميز بحصانته من أولئك الشياطين :
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق