1185
عمر بن عبد العزيز ( معالم التجديد والاصلاح الراشدى ) على منهاج النبوة
الفصل التاسع : عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الخامس : حياته الاجتماعية والعلمية والدعوية:
أولاً : الحياة الاجتماعية:
7 ـ تربية أولاده على الزهد والاقتصاد في المعيشة:
تتجلى شخصية عمر رحمه الله التربوية بقدرته على جعل أولاده يتقبلون التحول من فترة النعيم إلى فترة الزهد والتقشف، وأن يقنعهم بالعيش كعامة الناس، بدلاً من حياة الترف والرفاهية، فمن أول إجراءاته إن جاء في سياق رسالته التربوية لابنه عبد الملك وهو في المدينة والتي جاء فيها:.. فإن ابتلاك الله بغنى اقتصد في غناك، وضع لله نفسك، وأد إلى الله فرائض حقه من مالك ـ يقصد الزكاة والصدقة وعدم الإسراف ـ وقل كما قال العبد الصالح: ((هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ)) (النمل ، الآية : 40). وكانت هذه الرسالة عقب توليه الخلافة مباشرة، في حين لا تزال فترة النعيم والرفاهية قائمة، إذ إتبع أسلوباً تربوياً رائعاً في ذلك، حيث أخذ الأمر بالتدرج، فأشعره بأن الغنى وكثرة المال ابتلاء من الله عز وجل، ثم أمره بالاقتصاد فيما هو فيه من الغنى، ثم قرن الأمر بالتواضع لله وأخيراً أكد على ضرورة أداء حق الله، من زكاة الأموال والصدقات وامتثال أمر الله عز وجل . وفي موقف آخر، إذ بلغه رحمه الله إن ابناً له إتخذ خاتماً، واشترى لهذا الخاتم فصاً بألف درهم، فكتب إليه عمر: أما بعد : فقد بلغني أنك اشتريت فصَّاً بألف درهم، فبعه، وأشبع ألف جائع، واتخذ خاتماً من حديد صيني، واكتب عليه: رحم الله امرءاً عرف قدر نفسه . ونلاحظ أن عمر ربط أمره ببيع الفص بوجود جائعين وحاجتهم للإشباع ليكون ذلك أجدى لإدراك مغزى الأمر، والتحري في إنفاق الأموال مستقبلاً، وليكن أمر الفقراء والمساكين نصب أعين أبنائه دائماً ، وذات يوم طلب أحد أبناء عمر بن عبد العزيز إلى أبيه أن يزوجه، وأن يُصدق عنه من بيت المال ـ وقد كان لابنه ذلك امرأة ـ فغضب رضي الله عنه لذلك، وكتب يقول: لقد أتاني كتابك تسألني أن أجمع لك بين الضرائر من بيت المال، وأبناء المسلمين لا يجد أحدهم امرأة يستعف بها، فلا أعرفن وما كتبت بمثل هذا.. ثم كتب إليه أن أنظر إلى ما قبلك من نحاسنا ومتاعنا فبعه، واستعن بثمنه على ما بدا لك . ولم يقتصر الأمر على الذكور من أولاده، بل شمل الذكور والإناث على ذلك أن ابنة لعمر بن عبد العزيز يقال لها ((أمينة)) مرت به يوماً، فدعاها عمر: يا أمينة، فلم تجبه فأمر بها، فقال: ما منعك أن تجيبي؟ فقالت إني عارية ـ أي ملابسها ليست حسنة ـ فقال: يا مزاحم: انظر إلى تلك الفرش التي فتقناها، فاقطع لها منها قميصاً ، هذا عن كساء بنات عمر، أما عن طعامهن، فيروى ابن عبد الحكم أن عمر: كان يصلي العتمة ، ثم يدخل على بناته فيسلم عليهن، فدخل عليهن ذات ليلة فلما أحسنَّه وضعن أيديهن على أفواههن ثم تبادرن الباب، فقال للحاضنة: ما شأنهن؟ فقالت: إنه لم يكن عندهن شيء يتعشينه إلا عدس وبصل فكرهن أن تشم ذلك من أفواههن فبكى عمر. ثم قال لهن: يا بناتي ما ينفعكن أن تعشين الألون، ويمر بأبيكن على النار، فبكين حتى علت اصواتهن ثم انصرفن وكان عمر بدأ الانتقال بأهل بيته من فترة الرفاه والتنعيم إلى فترة القناعة والزهد في الدنيا، بأن وضع حلي ومجوهرات زوجه فاطمة بنت عبد الملك في بيت المال، إذ قال لها: اختاري، إما أن تردي حليَّك إلى بيت المال وإما أن تأذني لي في فراقك، فإني أكره أن أكون أنا وأنت وهو في بيت واحد. قالت: لا بل أختارك يا أمير المؤمنين عليه وعلى أضعافه إن كان لي .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق