إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 يناير 2016

1077 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الخامس والخمسون الحروب التحصينات


1077

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الخامس والخمسون

الحروب

التحصينات

ويعبر عن الصلح بلفظة "سلم"، وهي في معنى "سلم" في عربيتنا. فالسلم هو الصلح الذي يلي الحرب بعد الانتهاء منها، كما انه السلم في الأوقات الأخرى أي الأوقات الاعتيادية.

ويعبر عن الحذر من العدو بلفظة "حذر"، وهي تؤدي معنى الدفاع كذلك، ف "حذر" تعني دافع ضد عدو. واذا سار شخص ما خلف زعيم أو قائد، يقال لذلك "تبع" و "تبعو" بمعنى سار مع القائد وساروا في حرب مثلاٌ، وتقدم أو تقدموا نحو العدو.

ويعبر عن التراجع والانسحاب بلفظة "ضويم" "ضوى"، وتعني الهزيمة كذلك. وهي نقيض معنى "متسك" التي تعني التمسك بالشيء والاستيلاء عليه. و "امتسك ب". ويعبر عن الهزيمة بلفظة "سحت" كذلك. كما يعبر عنها بلفظة "تشوع".

وقد يتبع المحاربون طريقة حرب العصابات، وذلك بأن ينقسم الجيش إلى أحزاب وفلول مستقلة تنتشر في أماكن متباعدة، وتقاتل بمفردها أو تتعاون فيما بينها عند الحاجة، وهي تحمي نفسها بالالتجاء إلى المواضع الطبيعية الحصينة مثل المستنقعات والأدغال والجبال وأطراف الممرات الوعرة، وذلك لكي تخفي نفسها عن العدو فلا يراها إلا وهي مباغتة له. ويقال للعصابة هذه: "حزب" في السبئية، وأما الجمع ف "احزب".

وتتبع الطريقة المذكورة عندما يواجه عدو عدواً يرى انه لا يستطيع الوقوف أمامه ومحاربته، أو في حالة التريث والانتظار إلى ساعة مجيء مدد وعون، أو في حالات الهزيمة. فتشتت القوات المغلوبة قواتها إلى "أحزاب" وتشغل جيش العدو المتفوق عليها بجبهات عديدة لغاية إرباكه واضعاف قوته، وتبقى تحارب حرب عصابات حتى ترى رأيها الأخيرة فتقرر الصلح أو الاستسلام وقد تجمع فلولها ثانية وتظهر مرة أخرى في ميدان قتال جديد، ففي كتابات المسند أمثلة كثيرة من هذا القبيل.

وقد وردت في النصوص المعينية لفظة "غزتس" بمعنى غزوة، كما في هذه الجملة: "غزتس عم مسبا"، بمعنى "في غزوته مع المسبين". ويظهر ان هذا النص قد دوّن في غزاة قام بها صاحب النص، وقد أخذوا معهم جماعة من السبي. وهذا النص هو من النصوص المعينية التي عثر عليها في مدائن صالح.

ويقال للحواجز التي يضعها المحاربون في شوارع المدينة أو في الطرق أو التي يقيمونها في ساحات المعارك لإعاقة حركات العدو "حجزت"، أي "حاجزة". ولا تقتصر عمل هذه الحواجز على الأغراض العسكرية وحدها بالطبع بل تقام لأغراض عديدة أخرى، مثل الحواجز التي تقام لحجز المواشي والحيوانات وما شابه ذلك.

ولا يشترط بالطبع في الحواجز أن تكون عالية مرتفعة أو قائمة عريضة، فقد تكون منخفضة وعندئذ تكون على هيأة موانع لإعاقة الإنسان أو الحيوان من المرور. وقد تكون خندقاً حفر حول المدينة أو حول مكان يراد حمايته ومحافظته من التطاول عليه. فيقف هذا الخندق حاجزاً مانعاً يمنع الجنود والجيوش من التقدم نحو الهدف أو المدينة أو الموضع الذي يراد الاستيلاء عليه ? ويقال له عندئذ "خبزت" وبهذا المعنى عرف في كتب اللغة، فقد ورد في القاموس المحيط "خ ب ز": "خبز" الرهل والمكان المنخفض المطمئن من الأرض.

وقد بنى اليمانيون حصونهم في الهضاب والمرتفعات والجبال، ليكون من الاسهل الدفاع عنها. وحول هذه الحصون وبحمايتها بنى الناس بيوتهم، فتحولت هذه الأماكن اامحماة بالقلاع والحصون إلى مواضع حصينة تدافع عن نفسها وترمي من يحاول، الوصول اليها بالسهام وبوسائل الدفاع الأخرى، فيتكبد المهاجم خسائر، ويلاقي صعوبات كبيرة في الوصول اليها. ويقال لمثل هذه الحصون والقلاع "محفدن" و "محفدم" والأولى معرفة والثانية منكرة.

وتزود الحصون بكل وسائل الدفاع وما يحتاج اليه أصحابها والمدافعون عنها من ماء وزاد ووسائل دفاع. ولهذا تجد في الحصون آباراً ومخازن للمياه، ليستفيد منها المدافعون، ولا يتمكن المهاجمون من منع الماء عنهم. أما الزاد، فيخزن في العادة في مخازن خاصة لهذه الغاية أيضاَ. وأما وسائل الدفاع فتكون بانشاء أبراج فوق أسوار الحصن، يكمن فيها المدافعون لرمي العدو منها، وببناء فتحات صغيرة رفيعة لمراقبة العدو منها، ولرميه بالسهام.

ومن وسائل الدفاع التي لجأ اليها أهل العربية الجنوبية لإعاقة المحاربين من التقدم نحو هدفهم، انشاء حواجز على هيأة جسر تبنى في المضيقات والممرات، بحيث إذا وصل اليها العدو لم يتمكن من الاستمرار في سيره نحو عدوه، فينهال عليه حماة تلك الحواجز بالحجارة والسهام وما شاكل ذلك من أسلحة. وترى بقايا مثل هذه الجدار في مواضع عديدة من اليمن وحضرموت حتى اليوم. ومن جملة ما عثر عليه بقايا جدار أقيم في وادي "لبنا" شمال ميناء حضرموت القديم "قنا" "قانه" "قني". أقامه حكّام حضرموت المكربون قبل القرن الرابع قبل الميلاد، وذلك لحماية حضرموت من غزوات الحميريين وغيرهم. وعثر على بقايا جدار في القسم الجنوبي من "وادي بيحان"، وعلى بقايا جدار آخر يقع في "وادي أنصاص" جنوب "شبوة"، وذلك لحمايتها، من الغارات.

والنصر ضد الهزيمة. وترادفها لفظة "شرح" في اللهجات العربية الجنوبية، كما في هذه الجملة "يوم شرح سبا"، أي "يوم نصر سبأ".

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق