إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 يناير 2016

1075 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الخامس والخمسون الحروب التحصينات


1075

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الخامس والخمسون

الحروب

التحصينات

وقد كان أهل مكة مثلاً قد جعلوا من أحابيشهم قوة عسكرية تحارب معهم. وتقاتل عنهم بأسلحتهم وبطريقة قتالهم التي ألفوها في بلادهم،.مثل القتال بالحراب، أو الرمي بالنشاب. وقد عرف هؤلاء بالأحابيش. ولعلهّم استخدموا الرقيق الأبيض المجلوب من بلاد الروم ومن أماكن أخرى في تنظيم أمور الدفاع وإدارة القتال لخبرتهم ودرايتهم في أساليب القتال المدنية، كالذي فعله الرسول من استشارته سلمان الفارسي في أمر الدفاع عن المدينة يروم حاصرتها قريش، فكان أن أشار عليه بحفر خندق حولها لي يعوق تقدم قريش من المدينة، ففعل كما يشير الى ذلك أهل السير والأخبار.

والمصانع الأبنية وقد وردت "مصانع" في الآية الكريمة )( وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون(. بمعنى الحصون المنيعة. و "مصنعت" "مصنعة" في الحميرية بمعنى حصن. وذلك كما في هذه الجملة المقتبسة كل من نص "أبرهة" المدوّن على سد مأرب: "مصنعت كدر"، أي "حصن كدر". ولا تزال لفظة "مصنعة" مستعمله حتى اليوم في العربية الجنوبية في معنى قلعة وحصن. وقد اشتهرت حمير بمصانعها.

والمصانع: القرى التي ويظهر أنها إنما دعيت بذلك لوجود المصانع بها. واحدتها: مصنعة. أي حصن. يدافع به عن المتجمعين حوله.

و "القلعة" على ما يظهر من أقوال علماء اللغة، الحصن على الجبل، والحصن الممتنع في جبل، والحصن المشرف. تبنى في المواضع المرتفعة لتشرف على ما تحتها، ولتراقب العدوّ، وتكون بها حامية، وقد يتحصن بها أهل الموضع عند دنو خطر عليهم، فيصعب على العدو الوصول اليهم، لوعورة الأرض، وامتناع القلعة، وتسلط من فيها على من يريد بلوغهم، بما يمطرونه به من أسلحة الدفاع.

و "الحصن" ما يتحصن به. يتخذ في مواضع حصينة مثل المرتفعات وعلى الأنهار وعند الآجام، لزيادة حصانته، وقد يتخذ في مواضع خطرة مكشوفة ليدافع عنها. فيحصن بتحصينات قوية من سور متين وجدر سميكة ومتاريس وابراج، لتصد من يريد مهاجمته. وتكون الحصون برية وبحرية : ولا تزال آثار حصون جاهلية قائمة في مواضع من جزيرة العرب، صنع بعض منها من "اللبن" والطين، وذلك في البوادي وفي المواضع التي لا توفر بها الحجارة، والمواضع الفقيرة التي يصعب على أهلها بناء حصونهم من الآجر.

و "البرج" الحصن، وقيل: بروج سور المدينة والحصن، بيوت تبنى على السور ؛وقد تسمى بيوت تبنى على نواحي أركان القصر بروجاً. وتكون البروج مرتفعة. وقد تبنى منفردة، ولكن الأغلب بناؤها على الأسوار. والكلمة من الألفاظ المعربة عن اليونانية.

وكان يهود الحجاز قد ابتنوا الحصون و الآطام، للدفاع عن أنفسهم وأموالهم في السلم والْحرب. فكانوا يخزنون فيها أموالهم وحصادهم وثمرهم وكل غال ثمين عندهم، وكانوا يدخلون اليها عند الظلام، فينامون فيها، خشية غزو أحد لهم، واعتداء غريب عليهم. فإذا طلع الصبح، خرجوا إلى مزارعهم ومواضع عملهم للاشتغال فيها إلى وقت المغيب. وكانوا يدخلون اليها حيواناتهم كذلك خشية سلبها ونهبها. أما في الغزو وفي القتال، فكانوا يعتصمون بها ويقذفون مهاجمهم بالصخور والحجارة وبوسائل الدفاع الأخرى من أعالي الحصون ومن الأبراج المشيدة فوقها. وقد وردت في كتب السير والتأريخ أسماء عدد من حصون اليهود في خيبر وفي أماكن أخرى وذلك في غزوات الرسول ليهود.

ويعبر عن الحراس الذين يحرسون شيئاً ويدافعون عنه، مثل حراس الحصون والقلاع وأبواب المدن أو حرس الضباط والكبار بلفظة "مسجت" "مسكت" "مسكة" في السبئية أي في معنى "الماسكة"، وأما المفرد ف"مسج" "مسك"، أي الماسك.

وقد استعمل الجاهليون آلات القذف والرمي وآلات الهدم الثقيلة في حروبهم كما يفعل الناس لهذا العهد. وهي آلات تبدو بسيطة مضحكة بالنسبة إلى آلات الخراب والتدمير المستعملة في الزمن الحاضر. قد يخجل الإنسان من التحدث عنها لأبناء هذا الزمان، ولكننا حين نتحدث عن الماضي وعن الأناس الماضين، فإننا لا نتحدث عنهم كما نتحدث عن أناس زماننا ولا نقيس انتاجهم على انتاجنا، وذلك لوجود فارق دقيق هو فارق الزمن. وهذا الفارق هو التطور الكبير الذي يقع للانسان كلما تقدم به الزمان ومرت عليه التجارب والاختبارات التي يطور الإنسان بها نفسه دوماً ويزيد في علمه علماً جديداً لم يكن معروفاً عند القدماء. وسيأتي زمان تكون فيه اختراعات القرن العشرين، الاختراعات التي نفخر بها اليوم، ألاعيب أطفال بالنسبة الى اختراعات ذلك الوقت، واختراعات ذلك الزمان ألاعيب أطفال بالنسبة إلى من يأتي بعدهم، وهكذا إلى آخر الزمان. ولهذا لا نستطيع قياس الماضي على الحاضر بما أوجده من اكتشافات واختراعات على هذا النحو. وإنما نتحدث عن الماضي على أنه مرحلة من مراحل التطور اليشري، ودور مستمر لهذا التأريخ الذي لا نعرف مبدأه ولا منتهاه.

وفي جملة هذه الآلات، الدبابة. وهي عبارة عن خشبة ثقيلة تعلق من وسطها ببرج من خشب مقام على عجلات ليمكن تحريكه نحو الهدف المراد هدمه أو سحبه منه أو نقله إلى أي مكان آخر. وقد غطى رأس الخشبة المتجه نحو الخارج، أي الرأس المتخذ للهدم، بغطاء من الحديد، ليكون سريعاً فعالاّ في هدم المكان الذي يوجه اليه. ويقوم أشخاص يكمنون في الدبابة بتحريك الخشبة نحو الهدف، وذلك بتحريكها نحو الأمام والخلف بقوة، لتحدث ثغرة فيه و يختفي هؤلاء تحت ستار مثل سقف من خشب أو من جلود، ليحميهم من الحجارة أو السهام أو النيران أو المواد الساخنة التي يرميها المدافعون عليهم، لمنعهم من الاقتراب من السور، ومن هدمه. وقد أشير إلى هذه الدبابات في فتح المسلمين لخيبر وفي حصار الطائف، فذكر أن اليهود كانوا قد اختزنوا في حصن الصعب من حصون النطأة في بيت فيه تحت الأرض منجنيق ودبابات. وذكر أن المسلمين لما كان يوم الشدخة عند جدار الطائف، دخل نفر منهم.تحت دبابة، ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل،، فقتلوا منهم رجالاّ وقد يكتفي المحاربون بسحب خشبة ضخمة نحو السور تحمل بعد ذلك على الاكتاف، فيضرب بها السور، ثم يتراجع حاملوها قليلاً ثم يتقدمون ليضربوا بها السور، وهكذا إلى أن يتمكنوا من أحداث ثغرة فيه. و "القفع"، ضبر تتخذ من خشب يمشي بها الرجال إلى الحصون في الحرب. وقيل هي الدبابات التي يقاتل تحتها.

واستخدم "الكبش" في القتال،استخدم في اليمن بصورة خاصة، استخدم سلاحاً من الأسلحة الثقيلة في قتال المدن والجيوش النظامية، وهو من خشب مكسو بجلود البقر مدبوغة بالقرظ، أو من جلود الإبل. يحتمي به المحاربون المشاة في هجومهم على الأعداء المتحصنين.

وقد وردت لفظة "كبش" في قول الشاعر "الحارث بن حلزة اليشكري": حول قيس مستلئمين بكبش  قرظي كأنـه عـبـلاء

وفسرت لفظة "الكبش" المذكورة ب "السيد" وهو تفسير أرى أن فيه تكلفا واضحاً وبعداً من المعنى، وأن الصواب هو أنها الآلة الحربية المذكورة، وأن الشاعر أراد ببيته المذكور وصف جماعة "قيس بن معد يكرب" الذين كانوا ملتفين حوله، مستلئمين بكبش من جلود سميكة غليظة مدبوغة بالقرظ، مرتفع عال حتى علباء، أي هضبة من ارتفاعه. والكبش بالنسبة للاعراب من الأسلحة ااتي يقل استعمالها عندهم، وهي من الأسلحة المانعة المؤثرة، ولذلك ذكرها الشاعر في شعره. وقد جاء بها "قيس" من اليمن ولا شك.

ومن آلات القذف والرمي إلى مسافات، المنجنيق. ويوضع فوق الأسوار لاستخدامه في رمي العدو المتقدم نحو ألحصن، أو في السفن لرمي سفن الأعداء أو في الأبراج أو في الخطوط الأمامية لرمي الأعداء المهاجمين. فهو في مقام المدفعية عندنا. وقد ورد في أخبار حصار المسلمين للطائف ان الرسو ل رمى أهل الطائف بالمنجنيق، وَكان أول من رمي في الإسلام بالمنجنيق على إحدى روايات أهل الأخبار.وورد أن اليهود كانوا يستعملون المنجنيق، في الدفاع عن حصونهم. ويرجع بعض أهل الأخبار تأريخ استعمال المنجنيق في الجاهلية إلى "جذيمة الأبرش"، فهم يذكرون اِّنه أول من رمى بالمنجنيق.

والعرادة من آلات الحرب كذلك، وهي صغيرة شبه المنجنيق.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق