إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 يناير 2016

1073 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الخامس والخمسون الحروب التحصينات


1073

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الخامس والخمسون

الحروب

التحصينات

وتدافع بعض المستوطنات، مثل قرى الريف والمدن، عن نفسها بإنشاء تحصينات تقيها من هجمات عدوّ ما. وتشمل هذه التحسينات حفر خندق وإقامة أسوار، وإنشاء أبراج وحصون وآطام وأمثال ذلك. وقد كانت مدينة الطائف ذات سور حصين، تغلق أبوابه آناء الليل وأيام الخطر، وقد تحصنت به ثقيف يوم حاصرهم الرسول. وقد عثر على آثار أسوار في خرائب مدن اليمن، تدل على إن تلك المدن كانت مسورة محصنة، وقد عثر على آثار قلاع وحصون وأبراج في تلك الأسوار على مسافات وأبعاد معينة تشير إلى إنها كانت لتحصين السور وللدفاع عنه ولضرب الأعداء عند محاولتهم الدنو منه.

وتعرف أبراج السور المقامة لحمايته ولتقويته ولضرب العدو منه ب "فنوت" في العربيات الجنوبية، ويطلق العبرانيون هذه اللفظة على مثل هذا البرج أيضاً.

ويقال للحصن والبرج "مكدل" "مجدل" في العبرانية. وبهذا المعنى ترد اللفظة في عربيتا كذلك. وقد ذكر علماء اللغة ان الاجتدال: البنيان، وجاء في شعر للأعشى: في مجدل سدّ بنيانـه  يزل عنه ظفر الطائر

وتستعين القرى بالمجادل في الدفاع عن نفسها، وتكوّن أبراج مراقبة أيضا، يراقب منهاالعدو، وتكون مواضع دفاع لأهل القرى، أو العشر، حيث لا أسوار تحمي ولا خنادق تعيق العدو من التقدم.

ويعبر عن تحصن المواضع وتقويتها لتتمكن من الدفاع عن نفسها بلفظة "تمنع" في السبئية، أي إكساب الموضع مناعة.

ولم يكن في وسع الحكومات أو الإمارات والمشيخات تحصين كل المستوطنات والقرى لما يتطلب ذلك من جهد ومال. ولقلة عدد سكان هذه الأماكن قلة تجعل من الصعب عليهم أن يقوموا وحدهم بإنشاء حصون وإقامة تحصينات وبناء أسوار وحفر خنادق. ولذلك احتمى سكان أمثال هذه المستوطنات بحصون الإقطاعيين الذين أقاموها لحماية ممتلكاتهم وأموالهم وأهليهم وذراريهم، وبوسائل دفاع أخرى لا تكلفهم كثيراً لضمان سلامتهم وسلامة أموالهم ومقتنياتهم في السلم والحرب.

أما المستوطنات الكبيرة، من درجة مدينة، فإنها تحاط في الغالب بأسوار لها أبواب تغلق، في الليل، فلا يسمح بالدخول أو الخروج منها، ويحافظ عليها، ولا سيما في أثناء الخطر، حرّاس يسهرون عليها لمنع أي عدوّ طامع في المدينة من الوصل إليها. ويقال لهذه المدن "هكر" "هجر" في العربيات الجنوبية. فحيث ترد لفظة "هكر" في المسند فإنما تعني مدينة ذات أحياء وسكان كثرين، ولها أسوار في الغالب تحميها من هجمات الأعداء.

وتعبر العبرانية عن المدينة المحصنة المحاطة بسور، بلفظة "عر"، وذلك لتمييزها عن المدن المحصنة بحصون، والتي يقال لها "عر مبصر" Ir Mibsar، وعن القرية التي يقال لها "حصر" "حصور" و "قره" "قريت"، وتكون غير مسورة. أما "العر" في العربية الجنوبية. فبمعنى "حصن"، وموضع محصن. وتطلق اللفظة على المواضع المحصنة بعر، أي حصن " أي في معنى قريب من المعنى الوارد في العبرانية. وتذكر كتب اللغة أن العرار: القتال، وأن العرة الشدة في الحرب. فللفظة صلة بالقتال إذن. ويوجد موضع يقع في ملتقى طرق يقع في "وادي مسيلة" يسمى "حصن العرّ بني على مرتفع صخري بارز كان حصنا مهماّ لحماية الأرضين المحيطة به ولحماية للقوافل للتي تمر بهذا الوادي المهم. ولا تزال بقايا هذا الحضن باقية،وقد أقيمت جدره من حجارة صلدة نضدت بعضها فوق بعض تنضيداً جيداً، وقد صقلت الأحجار صقلاً يدل على مهارة، وقد تألف الحصن من غرف كثيرة، ويبلغ طوله "95" متراً. وبه اثار معبد، وآبار لاستخراج الماء منها للشرب وللاستعمال.

ويعبر عن المانع الذي يحول بين العدو وبين الدنو من المكان الذي يريده ب "حبل" في العبرانية.- أي "الحائل" ويراد به الخندق. وقد ورد في كتب اللغة ان "الحيل" الماء المستنقع في بطن وادٍ. و "الحائل" هو المانع، أي الحاجز الذي يحجز أهل الموضع الذي تحصن اًلناس به عن عدوهم، وهو سور أو خندق أو أي شيء آخر يتخذ للدفاع عن النفس.

ومن بين الحوائل والموانع التي استعملها.الجاهليون لصد العدو من الزحف على بلادهم أو التسلل إلى أرضهم سد الممرات الجبلية والأودية ومفارق الطرق المهمة، ببناء جدر وأسوار لتحول بين المرور وللتسلل إلا بأمر وتخويل، ويكون المرور عندئذ من الأبواب المخصصة للعبور فقط. ومن أمثلة ذلك سد "أبنة" "لبنة" الذي أقيم في وادي "أبنة" ليسد الطريق على القادمين أو الذاهبين من "شبوة" إلى ميناء "قنا" "قنى" "قانة" cane المهم. وقد بنى عند مضيق يبلغ عرضة "80 ا" متراً، أما ارتفاعه فجعل حوالي خمسة أمتار، فاْما ثخنه فحوالي المترين، وقد بني بحجارة مصقولة صقلاً جيداً ورصف رصفاً حسناً وربط بينها ملاط قوي شد الأحجار شداً. وقد جعل له باب عرضه خمسة اًمتار يمكن غلقها بإحكام، ولزيادة مقاومتها توضع صفوف من الأحجار الثقيلة خلفها أيام الخطر، فتسد بها وتكون وكأنها قد سدت بجدار قوي سميك. وهناك آثار جدر أخرى أقيمت لغايات مماثلة تقع في "وادي العروس" "وادي عروس" وفي "عنصاص" ويرجع تأريخها إلى حوالي القرن الثالث قبل الميلاد.

وتختلف الأسوار من حيث المتانة و التحصينات والمواد التي تْبنى بها باختلاف قدرة المدن المالية، فبعضها ذات أسوار ثخينة متينة، لها تحصينات قوية، يحتمي بها المدافعون لمقاومة المهاجمين ولرميهم بمعدات المقاومة، لها مزاغل و فتحات ينظر منها المدافعون إلى أعدائهم، فإذا اقتربوا من السور، رموهم بالسهام وبالحجارة وبالمواد المشتعلة، وسكبوا عليهم الماء الحار او الزيت المغلي إذا ارادوا إحداث ثغرة فيه و قلع الأبواب وكسرها.

وعند أبواب الحصن أو أبواب المعابد أو المباني العامة أو الشعاب، تكون رحاب، يتخذها سكان المدن مواضع يبيعون فيها ويشترون وأماكن للتجمع. وتعرف الواحدة ب "رحبة" وتسمى "رحبوت" ? "رحب" في العبرانية. وفيها تعقد الاجتماعات العامة، وتجمع الناس لسماع الأخبار، وفيها تنفذ الأحكام العامة، مثل تنفيذ أحكام الاعدام والاعلان بالمجرمين. وتكون مرابد تنعقد فيها الأسواق أيام الأسبوع، أو في أيام خاصة منه، أو في السنة.

وأبواب المدة المسورة، هي المنافذ الوحيدة التي يدخل منها الناس ويخرجون. وتختلف في السعة، فبعضها أبواب واسعة فيَ كل منها مصراعان، ولبعضها مصراع واحد. وتكون ثخينة متينة، وقد تقوى بكسوتها، بطبقة من حديد أو، من معدن آخر، ليكون في امكانها مقاومة المهاجمين، فلا تِتحطم وتنهار بسرعة، ولا تأكَلها النار، وتغلق بمغاليق متينة. تقوى بحجارة وبأخشاب متينه عند حدوث خطر ما. وأما المجازات التي تلي الأبواب وتؤدي إلى الرحاب، فهي مختلفة الأشكال. ويحتمي بها المدافعون أيام الخطر لأَ لسدها، ولشد أزر الأبواب على الوقوف صامدة أمام المهاجمين. وقد يواجه الباب، جدار متين، يجل المجاز على هيأة غرفة، يخرج الناس ويدخلون في ركن من أركانها يربط بن المجاز والرحبة المؤدية الى الشعاب. وذلك ليكون من العسير على المهاجمين الولوج في المدينة عند تمكنهم منَ تحطيم الابواب. وقد يقوى الباب ببرج يبنى فوقه، يكمن فيه ألمقاومون، لرمي العدو ولإلحاق الأذى به إذا ما حاول مهاجمة الباب.

وتسدّ منافذ شعاب المدن بأبواب كذلك،لتقي من في الشعاب من أخطار الأشرار والمعتدين. وتغلق هذه الأبواب في الليالي. وقد تحاط الشعاب بسور يمتع الناس من الدخول الى الشعب إلا من الباب المؤدي اليه. وفي المدن الملكية، تحاط قصور الملوك ومخازنهم ومداخرهم بأسوار قوية تحميهم من المعتدين. وقد تبنى قلاع في مواضع مرتفعة من المدن، أو على تلال صناعية ليقاوم منها الناس عند انهيار المقاومة الخارجية، فتكون بذاك آخر وسائل المقاومة قبل الاستسلام.

أما القرى، فيدافع عنها بحصون وآطام وبمجادل وذلك لفقر أهلها وعدم تمكنهم من إقامة سور قوي يحمي القرية. وقد كان يهود الحجاز الساكنون في شمال المدينة، قد حصنوا قراهم بآطام يلجأون اليها وّيحتمون بها أيام الخطر. وقد عرفت هذه الحصون عندهم ب " آطام" و واحدها "أطم". وأما القرية، فهي "قرية" في العبرانية، وتسمى ب "قريتا Keritha " في لغة بني إرم.

ويقال للحصن "الأجم" والجمع "آجام"، وقد ورد ذكر الأجم في شعر لامرىء القيس: وتيماء لم يترك بها جذع نخلة  ولا أجماً إلا مشيداً بجنـدلِ

ويقال للحصن "الأطم" كذلك، والجمع آطام. ولا تزال آثار آطام جاهلية باقية في الحجاز وفي نجد وفي مواضع أخرى من جزيرة العرب وفي "وادي الحفر" بنجد، ويعرف ب "حضر بني حسين"،آثار قصور وآطام جاهلية وآبار كثيرة. وذكر بعض علماء اللغة أن الآطام: القصور والحصون، وخصصها بعض آخر بالدور المسطحة السقوف. وقد اشتهر "الأبلق"،وهو حصن "السموأل ابن عادياء" في التأريخ،وهو في تيماء. وورد اممه في شعر للاعشى مدح به السموأل. وكانت الأوس والخزرج تتمنع بالآطام،وتحارب عليها، وقد أرخت بحرب وقعت فيما بينهم بها، فقالوا: "عام الاطام"،وقد أخربت في أيام عثمان. ويقال للأطم: الأجم أيضاً.

فكانت الآطام هي وسائل الدفاع عند أهل يثرب، إذ لم يكن حولها سور يحميها من غزو الأعداء. فكانوا إذا حوصروا أو وقع غزو عليهم، لجأوا إلى آطامهم يتحصنون بها ويقذفون من أعاليها بما عندهم من وسائل دفاع لمنع العدو من الدنو منهم ولإلحاق الأذى به. وهي جملة آطام تملكها البيوتات العريقة وسادات الشعوب المكونة ليثرب والقائمة على أساس التقسيم العشائري.

والآطام بيوت السادات ورؤساء القوم، يلجأ اليها الناس للدفاع عن أنفسهم وعنها وقت الخطر. ويظهر من شعر أوس بن مغراء السعدي: بثَ الجنود لهم في الأرض يقتلهم  ما بين بصرى إلى آطام نجـران

أن نجران كانت ذات آطام كذلك.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق