1069
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الخامس والخمسون
الحروب
المحاربون
وهناك أمثلة عديدة من هذا القبيل حذر بها الناس من رجال ونساء قومهم من غزو سمعوا به، فخلصوا قومهم منه او جعلهم يستعدون له. وقد استعمل المحذرون التراب أو الرمل " للدلالة على كثرة العدو. واستعملوا اشَوْ كَ للدلالة على القوة وعلى شوكة العدو وعبروا بالشوك الذي تكسر رؤوسه، بشوكة العدو، إلا أنه عدو لا يخشى جانبه، لأنه غير متحد ولا متفق. وقد استمدت القبائل هذه الرموز من محيطها التي عاشت فيه،فاتخذتها أدوات للتحذير والإنذار.
ويستعين القادة بادلاء ليقدموا لهم المعلومات عن الطرق الموصلة إلى المواضع التي يريدون مقاتلة أصحابها بها، أو للسير في مقدمة قافلة الجيش للوصول إلى المكان المطلوب. وللدليل أهمية كبيرة في القتال ولذلك استعان بهم المحاربون. ويقال للدليل "دلل" في العربية الجنوبية، والأغلب أنهم كانوا ينطقونها على نحو ما ننطقها بها في عربيتنا. وأما الجمع ف "دلول، أي أدلاء.
وكان لا بد لكل قائد من الاستعانة بدليل إذا ما أراد التفويز، فقد يهلك الجيش من العطش والجوع ويخطىء هدفه أو يصير فريسة في مخالب من يقصده، إن لم يستعن بدليل خريت مجرب، له علم بالبادية علمه ببته. وكان للقبائل أدلاء عركوا المفاوز وخبروها وعرفوا معالمها ومواضع الماء فها، وكان لهؤلاء فضل على قبائلهم، لا يقل عن فضل الفرسان عليها، لأنهم ما. أسباب النصر. ولما كتب "أبو بكر" إلى "خالد ين الوليد" يأمره بالمسير إلى بلاد الشام، دلّ على "رافع بن عميرة الطائي" وكان دليلا خريتاً، وبفضل علمه بالطريق وبنصحه القيم لخالد في كيفية عبور المفازة، وصل الجيش سالماً إلى بلاد الشام.
وقد فعل الجاهليون ما تفعله القوى المتحاربة في كل وقت من اللجوء إلى التأثير في خصومهم باستخدام "الحرب النفسية". أي التأثر في نفوس الخصوم حتى يشعر انه دون خصمه، كأن يتظاهر بأن عدده أقوى وأكثر عدداً من عدد خصمه، بتوسيع رقعة معسكره وايقاد النيران الكثيرة وإحداث أصوات مرتفعة، تشعر المتلصص للاخبار ان الجيش جرار، وان عدده كبير. وبذلك يخافه خصمه وترتعب نفسه. ولما نزل المسمون "حمراء الأسد"، "كانوا يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار،، وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه، فكبتَ الله تعالى عدوهم".
ويعمد الجيش أو القسم منه إلى التستر وألتخفي لمباغتة العدو ومفاجأته، كأن نقص ورقتين الى أية هزيمة بالمعنى المفهوم إنما ينسحب أحد الطرفين ويتراجع إلى مكانه فتنتهي بذلك تلك الحرب.
وإذا برز المبارز، فيعلم على رأسه في الغالب، بأن يلبس سامة خاصة أو عصابة او يضع ريشة. يتباهى بها، وقد يستعملون الخوذ، إلا أنها كانت قليلة الاستعمال لدى الاعراب، لغلاء ثمنها عندهم. وقد كان "أبو دجانة" يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم رأسه بعصابة له حمراء، علم الناس أنه سيقاتل.
ويقسم المحاربون قواتهم إلى مجنبة وقلب: مجنبة يمنى تهاجم أو تحمي الجانب الأيمن، ومجنبة يسرى تحارب وتدافع عن الجانب الأيسر من المحاربين. أما القلب، فيكون واجبه الهجوم أو الدفاع من الوسط، أي وسط الجيش. وقد تقوم المجنبتان بالهجوم لتطويق العدو وحصره في دائرة، تضيق عليه. وفي معركة "يوم نخلة" من أيام الفجار، كان حرب بن أمية في القلب، وعبد الله بن جدعان وهشام بن المغيرة في المجنبتين.
وتوضع أمام الجيش أو المحاربين مقدمة، تتقدم المقاتلين، يكون واجبها حماية القسم الأكبر من الجيش الذي يكون وراءها، وارسال المعلومات عن العدو واشغاله بالقتال إن وقع حتى يأتي المحاربون. ويقال للمقدمة "مقدمت"، أي "مقدمة" في السبئية، وللذي يتولى أمرها ويقودها: "قدم".
ويقال لطليعة الجيش، وهي التي تتقدم الجيش، للقاء العدوّ وللوقوف على أمره وخبره "نذيرة الجيش".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق