1269
عمر بن عبد العزيز ( معالم التجديد والاصلاح الراشدى ) على منهاج النبوة
الفصل التاسع : عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الخامس : حياته الاجتماعية والعلمية والدعوية:
خامساً : جهود عمر بن عبد العزيز والتابعين في خدمة السنة:
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كتابة غير القرآن في أول الأمر، مخافة اختلاط غير القرآن به، واشتغال الناس عن كتاب ربهم بغيره، ثم جاء بعد ذلك الإذن النبوي بالكتابة والإباحة المطلقة لتدوين الحديث الشريف فنسخ الأمر، وصار الأمر إلى الجواز . وقد ثبت أن كثيراً من الصحابة قد أباحوا تدوين الحديث وكتبوه لأنفسهم، وكتب طلابهم بين أيديهم، وأصبحوا يتواصلون بكتابة الحديث وحفظه . وقام الجهابذة من أهل العلم، والغيورين من المسلمين بجهود جبارة لتدوين السنة المطهرة وجمع الحديث النبوي، وتنقيته من شوائب الوضع، وبذلوا في ذلك مهجهم وأوقاتهم، فأسهروا ليلهم، وضربوا في الأرض نهارهم، وأصَّلوا لذلك أصولاً، وقعّدوا قواعد، حتى أثمرت تلك الجهود المباركة هذه الدواوين العظيمة، التي يعكف المسلمون على قراءتها وحفظها والعمل بها والفضل كل الفضل لله ـ ثم لأولئك البررة الذين كانوا السبب في جمعها، وليس لهم مكافأة أعظم من أجر الله الجزيل لهم يوم القيامة إن شاء الله تعالى ، ولعل طلائع التدوين الرسمي للحديث النبوي، الذين قامت به جهة مسؤولة في الدولة الإسلامية، كان على يدي عبد العزيز بن مروان ـ والد عمر ـ عندما كان أميراً على مصر كما مرّ معنا، بيد أن التدوين الذي آتى ثماره هو ما قام به أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، وقد تجلى ذلك في إرشاداته لكتابة العلم وتدوين الحديث، وأوامره للخاصة والعامة بذلك، فمن إرشاداته قوله: أيها الناس قيدوا العلم بالشكر، وقيدوا العلم بالكتابة ، لكن أمير المؤمنين عمر لم يكتف بهذا الإرشاد العام والحض على حفظ العلم بكتابته، بل سعى ـ بحكمه خليفة المسلمين ـ إلى إصدار أوامره إلى بعض الأئمة العلماء بجمع سنن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حمله على ذلك ما رآه عند كثير من التابعين في إباحة كتابة الحديث، وهم قد حملوا علماً كثيراً، فخشي عمر على ضياعه، خاصة وأنه ليس دائماً تتوفر الحفظة الواعون لنقله، دونما احتياج إلى كتابة الكتب والرجوع إليها للاستذكار وثمة سبب آخر يضاهي سابقه في الأهمية، وهو فشوّ الوضع ودسّ الأحاديث المكذوبة، وخلطها بالصحيح من كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب الخلافات المذهبة والسياسية، وإلى هذا يشير كلام الإمام الزهري: لولا أحاديث تأتينا من قبل المشرق ننكرها لا نعرفها، ما كتبت حديثاً ولا أذنت في كتابه . ورأي الزهري هذا كان رأي كثير من أئمة ذلك العصّر، حيث خافوا على الحديث النبوي من الضياع، واختلاطه بالمكذوب، مما حفز العلماء على حفظ السنة بتدوينها، وجاء رأي السلطة العليا ممثلاً بالخليفة الورع العالم المجتهد أمير المؤمنين عمر، فاتخذ خطوة حاسمة بتدوين سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل من مسؤوليات الدولة حفظ السنة المطهرة . وإليك خطواته ومجهوداته في هذا الشأن:
1 ـ كتب إلى الإمام الثبت أمير المدينة وأعلم أهل زمانه بالقضاء، أبي بكر بن حزم، يأمره بذلك، ففي صحيح البخاري: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاكتبه، فإن خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولا تقبل إلا حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولتفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يعلم ما لم يعلم، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً ، وروى ابن سعد عن عبد الله بن دينار ـ قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم: أن أنظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سنّة ماضية أو حديث عمرة بن عبد الرحمن، فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب أهله .
2 ـ كذلك وجه كتاباً بهذا الشأن إلى الإمام الحجة ابن شهاب الزهري، فقد ذكر ابن عبد البر عن ابن شهاب قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز، بجمع السنن، فكتبناها دفتراً دفتراً، فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً ، وروى أبو عبيد أن عمر أمر ابن شهاب أن يكتب له السنّة في مصارف الزكاة الثمانية، فلبى الزهري أمره، وكتب له كتاباً مطولاً يوضح ذلك بالتفصيل . ومن هنا قال ابن حجر: وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف، وحصل بذلك خير كثير، فلله الحمد .
3 ـ بل إن عمر وجه أوامره إلى أهل المدينة جميعاً يأمرهم ويحثهم على جمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، يشارك في هذا كل من لديه علم، ولو كان بضعة أحاديث، فقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل المدينة: أن انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبوه، فإني قد خفت دروس العلم وذهاب أهله .
4 ـ ولم يقف عمر عند ذلك، بل عمَّمَ أوامره إلى جميع الأمصار في الدولة الإسلامية، ليقوم كل عالم بجمع وتدوين ما عنده من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما سمعه من أصحابه الكرام ، وروى: انظروا حديث رسول الله صلى اله عليه وسلم فاجمعوه واحفظوه، فإني أخاف دروس العلم وذهاب العلماء .
وقد اهتم عمر رضي الله عنه باللغة العربية: فشجع أهل البلاد المفتوحة على تعلمّها وإتقانها، وكان يغدق عليهم ـ لذلك ـ العطايا، كما أنه يعاقب من يلحن بالعربية وينقص من عطائه، لما يعلم من أهمية العربية في فهم كتاب الله والسنة النبوية الشريفة .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق