1266
عمر بن عبد العزيز ( معالم التجديد والاصلاح الراشدى ) على منهاج النبوة
الفصل التاسع : عهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز:
المبحث الخامس : حياته الاجتماعية والعلمية والدعوية:
رابعاً : منهج التابعين في تفسير القرآن الكريم:
3 ـ تفسير القرآن بأقوال الصحابة:
إن التابعين ما علموا كيفية التلقي من الكتاب والسنة وكذلك الاجتهاد، ونحو ذلك إلا بسبب تربيتهم على أيد الصحابة وخبرتهم بمناهجهم الاستدلالية، وتعلمهم لطرق الاستنباط وتلقيهم الرواية النبوية، ورؤيتهم التطبيق العملي لذلك كله ولقد استوعب التابعون رسالة الصحابة وعرفوا فضلهم، فها هو مجاهد يقول: العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان التابعون يقدمون قول الصحابي على قولهم يقول الشعبي: إذا اختلف الناس في شيء فانظر كيف صنع عمر؟ فإن عمر لم يكن يصنع شيئاً حتى يشاور، فقال أشعث ـ راوي الأثر ـ فذكرت ذلك لابن سيرين فقال: إذا رأيت الرجل يخبرك أنه أعلم من عمر فأحذره ، وكان منهج التابعين في الأخذ عن الصحابة يدور حول:
أ ـ إذا كان تفسير الصحابي يرفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هو المطلب الرئيس، والغاية القصوى، وليس بعده قول، وكذلك ما كان من تفسير الصحابي، وهو وارد في سبب النزول بالصيغة الصريحة ، وكذلك فيما لا مجال للرأي فيه، فهذا يقف عنده لا يجاوزونه، لأن الصحابي شاهد التنزيل، ومثال ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ)) (الأنعام، آية: 61). فقد قال فيها ابن عباس رضي الله عنهما: إن لملك الموت أعواناً من الملائكة رواه عنه إبراهيم . ولذ جاءت الرواية من تفسير إبراهيم نفسه بالاقتصار على قول ابن عباس ولم يزد عليه شيئاً فقال: أعوان ملك الموت ، وكذا جاء عن قتادة، ومجاهد والربيع .
ب ـ وإذا كان التفسير الوارد عن الصحابي من باب الاجتهاد، وجار على مقتضى اللغة، فإنهم في الغالب لا يخالفونه، فإن الصحابة أهل اللسان والبيان والفهم، ولأجل ذلك اعتمد مجاهد تفسير ابن عباس دون غيره عندما تعرض لتفسير قوله تعالى: ((فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ)) (الأنعام، آية: 98). فقد قال ابن عباس: المستقر بالأرض والمستودع عند الرحمن . وجاءت رواية عن ابن عباس: أن المستقر في الرحم، والمستودع في الصلب ، موافقة للرواية الثانية لشخصية، وهكذا كان حال ابن جبير في تفسير الآية .
ج ـ إذا تعارضت الأقوال المنقولة في الصحابة، فإن التابعين يسلكون مسلك الترجيح بينها، والترجيح قد يكون باللغة، أو بالحديث أو بقول صحابي آخر يجمع بين الأقوال، فمن الأول ما جاء في تفسير قوله تعالى: ((أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)) (الإسراء، آية: 78). جاء عن ابن عباس في تفسيرها أن دلوكها غروبهاً ، وجاء عنه أن دلوكها: زيغها بعد نصف النهار ، وجاء عن ابن مسعود أن دلوكها غروبها ، وجاء عنه أيضاً أن دلوكها ميلها يعني: الزوال . فاختار قتادة أن دلوكها زوالها، ففسرها به ، مع أنه نقل القول بغروبها عن ابن مسعود ، ولعل سبب هذا الاختيار هو أن اللغة تدل على أن الدلوك هو الميل، فيكون المراد صلاة الظهر، ورجحه ابن جرير، وناقش الأول ، وقد يكون الترجيح لأثر مرفوع، ومنه ما جاء عن قتادة وهو يحدث عن سعيد بن المسيب، قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مختلفين في الصلاة الوسطى، وشبك بين أصابعه ، فرجح الحسن أنها صلاة العصر ، متابعاً في ذلك عدداً من الصحابة رضي الله عنهم، والمرجح هنا هو الأثر المرفوع الذي رواه الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الصلاة الوسطى صلاة العصر . وقد يكون الترجيح بقول صحابي آخر يقدِّم به عموم الآية على ما. ما ورد في خصوصها، ويجمع به بين الأقوال، فمن ذلك تفسيرهم لقوله تعالى: ((إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ)) (الكوثر ، الآية : 1). فقد جاء تفسير الكوثر عن جمع من الصحابة أنه نهر في الجنة ، وعن ابن عباس أنه الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه ، وتابعه على ذلك سعيد بن جبير، فقال أبو بشر لسعيد: إنا كنا نسمع أنه نهر في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه فهنا رجح ابن جبير العموم في الآية مستنداً لقول ابن عباس، ولم يذهب إلى الخصوص الأثر الوارد في ذلك، أما إذا لم يكن ثمة مروي عن الصحابة في ذلك، فعندئذ يدخل منهم من يدخل في باب الاجتهاد . وقد أدت الرواية عن الصحابة والاعتماد عليها في التفسير إلى ظهور نتائج وآثار ترتبت على ذلك منها، حفظ أخبار الصحابة ومعرفة دقيق أحوالهم والتمييز بينهم، والالتزام بمناهجهم والإفادة منها، وتبني أقوالهم .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق