488
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والثلاثون
مملكة النبط
وبعد مدة هيأ قوة قوامها أربعة آلاف مسلح من المشاة، واربعة آلاف من الفرسان جعل قيادتها تحت إمرة ابنه "ديمتريوس" "Demetris "، للانتقام من النبط بأية طريقة كانت. فلما سمع النبط بقدومها، امنوا أموالهم في مواضع حصينة يصعب الوصول اليها، ووضعوا عليها حراسة كافية، وسلكوا طرقاً متعددة تؤدي بهم إلى البادية. فلما وصل "ديمتريوس" إلى "الصخرة"، هاجمها بعنف وشدة، غير أنه لم يقلح في اقتحامها والاستيلاء عليها، ورجع بجيوشه قانعاً بالهدايا التي قسمت إليه.
ويذكر "ديودورس" أن النبط كانوا قد لجأوا إلى اتخاذ أماكن حراسة وضعوا فيم حراساً، واجبهم تنبيه النبط حين تبدر ظاهرة خطر عليهم، بإيقاد نيران في مواضع مرتفعة من تلك الأماكن، تكون علامة على وجود الخطر. فلما ظهر "ديمتريوس" متجهاً نحو الصخرة، أوقد الحراس النار، فهرب النبط إلى مواضع أمينة من البادية، وتخلصوا مع أموالهم منه، لأنه خاف من ملاحقتهم لعدم تمكن جيشه من تعقب آثارهم ولخوفهم من ولوج البادية. وقد كان "المقدونيون" يخشون من دخولها.
كان النبط من الشعوب العربية التي جمعت ثروة عظيمة،واكتنزت الذهب والفضة بفضل اشتغالها في التجارة وموقعها الممتاز الذي تلتقي عنده جملة طرق تجارية برية كانت عمادطرق القوافل في ذلك الزمن اليها يصل طريق اليمن والعربية الجنوبية المهم الموازي للبحر الأحمر، ومتها يتفرع الطريق إلى مصروالشام وغزة والمدن الفينيقية على البحر المتوسط.، واليها يصل طريق تجاري آخر مهم يصل الخليج بمدينة "بطرا". ويصل مدينة تجارية اخرى لم يكن شأنها في التجارة أقل من شأن عاصمة النبط، وأعني بها مدينة جرها Gerrha علىالخليج. فتحمل اليها تجارة الهند وما وراء الهند، وحاصلات ايران والعربية الشرقية لتوزع منها في الشام ومصر وموانىء البحر المتوسط. وقد عمل ملوك النبط بكل ذكاء على الاستفادة من هذه الطرق واستغلالها لمصلحتهم ومصاحة مملكتهم. وقد اقتضى ذلك بالطبع وضع حرس قوي لحماية القوافل واجراء التسهيلات الضرورية لأصحابها والاتفاق مع سادات القبائل لضمان سلامتها مقابل مبالغ تدفع لهم عن المرور "الترانزيت".
وقد أدت سياسة البطالمة الرامية إلى السيطرة. على البحر الأحمر واحتكار التجارة البحرية إلى إلحاق أضرار فادحة بالنبط وبغيرهم من العرب الذين كانوا يتاجرون في البحر الأحمر. فاضطر النبط إلى التحرش بسفن البطالمة وبمهاجمة السفن التي تتجه نحو مصر وبأخذ ما فيها، فاضطر "بطلميوس الثاني" "285 - 6 4 2 قبل الميلاد" إلى انشاء قوة بحرية لحراسة السفن التجارية، وقد ألحقت هذه القوة خسائر فادحة بأسطول النبط، منعت النبط أمداً من التعرص لقوافل البطالمة، غي ان النبط كانوا ينتهزون الفرص، فلما انشغل "بطلميوس" بالحرب مع "سلوقيي" سورية عادوا إلى مهاجمة سفن البطالمة والسفن الذاهبة أو الآيبة من مصر.
وألحقت سياسة "بطلميوسى فيلادلفيوس" ومشروعاته الرامية إلى السيطرة على البحر الأحمر وعلى تجارة البلاد الحارة،أضراراً خطيرة بالتجارة العربية، أثرت تأثيراً سيئاً جداً في الوضع السياسي في جزيرة العرب. إذ أفقدت العرب السيطرة على البحر الأحمر وأوجدت لهم منافسين خطيرين نافسوهم في أسواق إفريقية والهند، ولم يكن من السهل التغلب عليهم، بفضل ما أدخلوا على سفنهم من تحسينات فنية وابتكارات، وما خصصوا بها من قوات لحمايتها من تعرض سفن العرب لها. وقد ابتنى "بطلميوس فيلادلفوس" مدينة " Berenice" على خليج العقبة " Atlantic Gulf" لحماية التجار والسفن من تعرض النبط. ولعلّ ميناء "امبلونه" "Ampelon" الذي أسسه تجار الروم في جزيرة العرب على ساحل البحر الأحمر تجاه "العلا" على رأي بعضهم، هو من المواضع التي أنشئت لهذه الغاية في هذا الزمن. وبإنشاء هذه المواضع سيطر اليونان على البحر والطريق التجاري القريب منه، كما تمكنوا من ضمان الحصول على حاجاتهم بشراء ما يريدون من حاصلات الجزيرة ومن يبع ما يريدون بيعه في هذه الموانى أيضاً.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق