487
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والثلاثون
مملكة النبط
ومن النبط انتقلت المصنوعات النحاسية والحديدية المصنوعة في بلاد اليونان أو الشام أو في بطرا إلى اليمن، وقد كانوا واسطة لنقل "الهيلينية" إلى العرب الجنوبيين. وقد عثر في "خولان" من اليمن على راس مصنوع من النحاس، محفوظ الان في المتحف البريطاني، يشبه وجهه الوجوه المطبوعة على النقود النبطية المضروبة في القرن الأخير قبل الميلاد، لذلك يرى الباحثون أنه من صادرات مملكة النبط إلى اليمن، وأنه من المصنوعات المتأثرة بالطابع "الهبلليني".
ويحدثنا "ديودورس" إن "انطيغونس" "Antigonus" الذى خلف الاسكندر في سورية، جرّ د حملة على النبط قوامها أربعة آلاف جندي من المشاة وستمئة فارس جعلها في قيادة صديقه "أثينيوس" "Athenaeus" ليجبرهم على التحالف معه وتأييد مصالحه.،وأمره بمباغتتهم وسلب كل ما يمتلكون من ماشية. فسار القائد من مقاطعة "أدوم" "Idumaea" بكل حذروتكتم لكيلا يعلم أحد من النبطي به. وباغت الصخرة في منتصف الليل، فقتل من حاول المقاومة وأسر خلفاً منهم، وترك الجرحى، واستولى على ما وقعت عليه يده من البخور والتوابل والطيب والفضة. ثم أمر قوته بالاسراع بالرجوع، فلما قطعت مسافة مئتي "اسطاديون" أضناها التعب، ونهكها قطع الطريق، فاضطرت إلى قطع .السير للاستراحة في معسكر أقامته. وفيما كان الجنود ينعمون بنومهم، هاجمهم النبط وأعملوا فيهم السيوف، فلم ينج من رجال الحملة الا خمسون فارساً هربوا بسلام بعد أن أثخن أكرهم بالجراح. وكان ذلك كما يزعم "ديودورس" بسبب تهاون رجال الحملة بأمر الحراسة وعدم تصورهم ملاحقة النبط لهم، وتمكنهم من الصول إلى هذا الموضع في خلال يومين أو ثلاث.
وذكر "ديودورس" إن اليونان تخيروا الوقت المناسب حينما باغتوا "الصخرة" كان من عادة أهلها الذهاب إلى أسواق مجاوريهم للامتيار ولمبادلة سلعهم بسلع يحتاجون اليها من جيرانهم، تاركين في صخرتهم أموالهم ونساءهم وأطفالهم وعجزتهم وشيوخهم. ولم تكن الصخرة مع حصانتها، مسوّ رة، فانتهز رجال الحملة هذه الفرصة، وباغتوا الحصن على نحو ما ذكرت. فلما بلغ الخبر النبط،تركوا السوق وتراكضوا إلى الصخرة، وأسرعوا يتعقبون أثر اليونان حتى أدركوهم في ذلك الموضع، فانتقموا منهم. شر انتقام، وعلموهم درساَّ لا ينسى ولا شك في وجوب اتخاذ الحذر والحيطة وتقدير كل أمر حقّ قدره مهما صغر وتفه، وقد تأتي التوافه بنتائج لا تأتي من عظائم الأمور. أما تأريخ ارسال هذه الحملة، فكان في سنة "312" قبل الميلاد.
وبعد انتقام النبط ممن حاول استرقاقهم، عادوا إلى الصخرة راضين مطمئنين، فنظموا أمورهم، ثم كتبوا الى الملك "انطيغونس" كتاباً كتب بالأبجدية السريانية يلومون في " "أثينيوس" "Athenaeu" على ما فعل بهم، ويعتذرون فيه عما بدر منهم ويحملون صاحب وزر صنعه. وقد أجابهم الملك بأن ما حدث لم يكن بعلمه ورضاه، وأن قائده عمل برأيه فخالف أمره، ولذلك فهو يحمله وزره، ويرجو أن تتحسن العلاقات فيما بينهم وبينه، وأن ينسى ما حدث، وكان غرضه من هذا الكلام التأثير عليهم، وجلبهم إليه ولو إلى حين حتى يرى أمره، فان أبوا ضرب ضربته. ونال ما أراد.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق