486
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والثلاثون
مملكة النبط
وقد ذكر عنهم انهم كانوا يحمعون المطر ويخزنونه في الصهاريج، التي لا يعرف مواقعها أحد غيرهم، وانهم كانوا لا يذيقون ماشيتهم الماء أما الناس، فكانوا يعيشون على اللحوم والحليب، يضاف إلى ذلك نوع من "الفلفل" ولب بعض للشجر، حيث تخلط بالماء.
وقد أخذ "ديودورس" أخباره عن النبط من مؤرخ قبله هو " Hieronymos Of Kardia"="Hieronymos Of Cardia"، ويعود خبره إلى حوالي السنة "312" قبل الميلاد، اذ تحدث هذا المؤلف عن حملة "انطيغونس" "انتيكونس" "Antigonos" على القبائل العربية، فذكر "النبط" " Nabataioi"="Nabatoioi" وأشار إلى الحملة التي أرسلت عليهم.
ويتبين من أقدم الأخبار الواردة في الكتب "الكلاسيكية" عن النبط أنهم كانوا في بادئ أمرهم أعراباً رعاة ماشية، ومنهم أصحاب قوافل يتعاطون التجارهْ، ويقيمون حول البحر الميت، وكانوا يستخرجون "الاسفلت" من سواحله الشرقية فيحملونه إلى مصر لبيعه إلى المصريين. وكانت لهم أماكن محصنة تحصيناً طبيعياً يلتجئون اليها فيصعب على العدوّ مباغتتهم ومهاجمتهم في هذه الحصون، كما أن لهم علماً بصحاريهم وبمواضع الماء فيها، يحتمون بها عند الحاجة، ويتخلصون بذلك من تعقيب الجيوش. ويذكر أنهم جنوا أرباحاً كثيرةً من اتجارهم بالاسفلت، إذ كان المصريون يشترونه منهم لاستعماله في "المومياء"، ولهذا أقبلوا عليه اقبالاً كبيراً، در على النبط ربحاً طيباً.
وقد وصفوا بأنهم كانوا يكرهون الزراعة ويزدرونها، كما كانوا يزدرون السكنى في بيوت مستقرة، وكانوا رعاة يربون الأغنام وبقبهّ الماشية. إذا وجدوا غريباً بينهم قتلوه، لأنهم كانوا يخشون أن يقعوا تحت حكم الأجانب فيفقدوا حريتهم. ووصف "سترابو" النبط، فقال: إنهم تجار، أقاموا في بيوت من الحجر، وقد اشتغل قوم منهم بالزراعة.
لقد أظهر هؤلاء الرعاة مقدرة فائقة وكفاية لاتقدر في تكييف أنقسهم وفي. أخذهم بالأساليب الحديثة في الحياة. تمكنوا من استغلال أرضهم وما فيها من موارد طبيعية، وتعلموا استغلال مناجم النحاس والحديد القديمة في "أدوم"، واستخدام هذين المعذنين المهيمن في صنع المواد اللازمة لشؤون الحياة. وأخذوا من "الهللينية" تنظيم المدن وأصول الادارة والفن وحولوا مدينتهم الصخرية إلى مدينة حديثة جميلة تنطق حتى اليوم بكفاية أصحابها وبقابلياتهم المدنية. كما اقتبسوا من "الفرث" "Parthian" ما يلائمهم ويوائم حياتهم وحاجاتهم. وضربوا النقود على طريقة اليونان والرومان فأحسنوا في صنعها وأجادوا واثبتوا أن العربي كيفما كان أمره قابل للتطور والابداع والأخذ والاقتباس، وأنه إذا هيئت له الظروف وأرشده المرشدون ووجهوه توجيهاً حسناً، أفاد نفسه وقومه والبشرية خير افادة.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق