إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

460 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثالث و الثلاثون ساسانيون و بيزنطيون


460

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
      
الفصل الثالث و الثلاثون

ساسانيون و بيزنطيون

وقد انتهت حدود الأرضين التي خضعت لحكم البيزنطيين أو سلطانهم عند حدود "المقاطعة العربية" الجنوبية، فلم تتجاوزها إلى ظهور الإسلام. ولعل محاولة "أبرهة" الاستيلاء على "مكة" كانت خطة سياسية عسكرية من خطط البيزنطيين كانت ترمي إلى الاستيلاء على الشقة التي بقيت تفصل بين الروم والحكم الحبشي في اليمن، فيبسط بذلك البيزنطيون سلطانهم السياسي على العربية الغربية كلها وعلى قسم كبير من العربية الجنوبية، ومن يدري? فلعلهم كانوا يبغون من بعد ذلك احتلال العربية الجنوبية كلها، لغرض سيطرتهم على أهم جزء من خطوط الملاحة البحرية العالمية المؤدية إلى الهند والسواحل الأفريقية.

أما فيما عدا ذلك من جزيرة العرب، فلم يكن للبيزنطيين سلطان سياسي أو تدخل فعلي. ولهذا انفردت فعالياتهم السياسية والعسكرية مع العرب النازلين في الأرضين التي خضت لحكمهم ولسلطانهم، ومع عرب بادية الشام وعرب العراق.

ولا نعلم إن ملوك الروم كانوا يرسلون قوافل تجارية خاصة بهم، لتتاجر مع جزيرة العرب، أو إن حكام مقاطعاتهم في بلاد الشام كانوا يتاجرون باسم حكومتهم أو بأسمائهم مع بلاد العرب. وكل ما نعرفه هو إن التجار العرب كانوا هم الذين يرسلون القوافل إلى بلاد الشام فكانت إذا دخلت مناطق الحدود ، تؤدي ضرائب المرور و "المكس" إلى رجال "مصلحة الضرائب" التابعين للروم. وعندئذ يسمح لهم إن يذهبوا إلى الأسواق لبيع ما يحملونه وشراء ما يحتاجون إليه. وكانت "بصرى" حاضرة "المقاطعة العربية"، هي السوق الرئيسية للتجار العرب، ومنتهى قوافلهم في الغالب. فكانت علاقة أهل الحجاز، ولا سيما أهل مكة، بالروم علاقة اقتصادية. وعلى هذه العلاقة كانت تتوقف العلاقات السياسية في غالب الأحيان. فقد كان الروم يزيدون الضرائب أحياناً، و يتعسفون في الجباية، فيتضرر بذلك التجار العرب، فكانوا يشتكون، ويراجعون حكام المقاطعات، وقد يرفعون إلى كبار القادة والحكام التماساً، أو يرسلون إلى عاهل القسطنطينية رسلاً، كما تقول بعض روايات أهل الأخبار للتوسل برفع هذه المظالم عنهم و لتخفيف الضرائب، وتنتهي مثل هذه الشكايات بترضيات يراد بها إن تكون ترضيات سياسية، لتوجه عرب الحجاز ضد الفرس، أو لفتح المجال لتجار الروم بالمرور من الحجاز إلى الجنوب، أو للضغط على التجار لمنع القبائل من التجاوز على حدود الروم إلى ما شاكل ذلك من أمور.

أما ملوك الساسانيين، فقد كانوا يتاجرون مع العرب، يشترون منهم ويبيعونهم ويرسلون القوافل بأسمائهم إلى العربية الجنوبية، لبيع ما تحمله في أسواقها، ولشراء سلع العربية الجنوبية يحملونها إلى أسواق العراق. وقد كانوا يوكلون حراستها إلى جماعة يختارونهم من سادات القبائل المهيبين المعروفين، بجُعْل يدفعونه لهم، وسأتحدث عن ذلك فيما بعد. ولا أستبعد إن يكون بين تلك القوافل، قوافل حملت ما كان يرسله الأكاسرة إلى عمالهم في اليمن بعد استيلائهم عليها من مؤن وبضائع، لتعود بما يفضل من الجباية يجبيها مرازبتهم على اليمن، لتكون حصتهم وسعة الخزينة من مال اليمن.

ويظهر من روايات أهل الأخبار إن جماعة من أهل مكة قد تخصصت بالاتجار مع العراق. وقد كان لها تعامل مع كسرى وربما مع كبار رجال دولته أيضاً من أولئك الذين اقتدوا بملوكهم في الاشتغال بالتجارة وبالنزول إلى الأسواق، فإنا في أناساً من كبار تجار مكة كانوا يفدون على المدائن، ويتصلون بديوان كسرى، ويتعاملون هناك بيعاً وشراءً. وكانت لهم دالة على ملك المدائن، وربما كان يساعدهم هو نفسه في مال القوافل، أو يجعل له نصيب من الأرباح.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق