إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 23 نوفمبر 2015

459 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثالث و الثلاثون ساسانيون و بيزنطيون


459

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
      
الفصل الثالث و الثلاثون

ساسانيون و بيزنطيون

كانت بادية الشام ميداناً للقبائل، تتصارع فيه كيف تشاء. تبرز فيه قبيلة، ثم ينطفئ اسمها، لتظهر قبيلة أخرى. ولم يكن ذلك ليهم الدول الكبرى، ما دام ذلك الصراع في مواضع بعيدة عن حدودها، فإذا بلغ الحد، اضطرت تلك الدول إلى الوقوف بحزم و صرامة أمامه، إذا كانت تملك الحزم والقوة.

ولصعوبة قيام جيوشها النظامية بتعقب القبائل المغيرة وملاحقتها في البادية، عمدت إلى استرضاء سادات القبائل الكبيرة ذات العدد الكبير، بالهدايا والمنح المالية المغرية وبالامتيازات وبالألقاب للقيام بحراسة الحدود ومراقبتها، وبتعقب القبائل التي قد تتجاسر فتغزو الحدود، منتهزة مواطن الضعف والثغرات. فالتجاء الساسانيون إلى عرب "الحيرة"، والتجأ البيزنطيون إلى الضجاعمة والى أهل تدمر والغساسنة فيما بعد للقيام بهذه المهمة.

ولم تكن مهمة حفظ الحدود مهمة سهلة هينة، حتى على أهل البادية أنفسهم، فمنطق القبائل: إن القبيلة إذا كانت قوية ذات بأس، وشعرت بقوتها، جاز لها إن تطلب لنفسها ما تشاء وان تغزو من تشاء كائناً من كان. وطالما صار من توكل إليه حراسة الحدود نفسه هدفاً للغزو، لأنه لم يطعم الغازين، ولم يقدم لهم ما يرضيهم من ترضيات و اعطيات، أو لأن الغازين رأوا في قرارة أنفسهم أحق بحماية الحدود من الذين يقومون بحمايتها في هذا الزمن، ولهذا يرون وجوب انتزاعها منهم بالقوة، كما انتزعهما هؤلاء القائمون بالحماية من سلفهم. فلا يكون أمام الدول الكبرى غير الموافقة والتسليم، ودفع الجعالات التي كانوا يدفعونها إلى الحرس القديم إلى الحرس الجدد الذين اظهروا قوة فاقت قوة القدماء في ميدان التنافس والقتال. وما الذي يهم الدول الكبرى في مثل هذه المواقف غير حماية الحدود ? ومع رغبة الدول الكبرى في التعامل جهد الإمكان معع أصحابهم القدماء الذين اطمأنوا إليهم، فأوكلوا لهم حراسة حدودهم، وكانوا يهددون ذلك الحرس بجعل حراستهم إلى خصومهم ومنافسيهم إذا ما شعروا بسوء نهيتهم أو طمعهم أو إلحافهم في زيادة الجعالات، أو بضعف أو تهاون في الدفاع عن الحدود وفي إنزال القصاص بالمغيرين. وقد يوكلون الحراسة في الحالات الشاذة إلى قوادهم الأشداء، لتعقيب المغيرين، و إنزال ضربات شديدة بهم، إلى إن يتفقوا مع حارس جديد أو إن يتفق أهل الحارس القديم على اختيار شخص جديد كما في حالات وفاة احد رؤساء آل نصر أو آل غسان.

وليس من الصعب بالطبع على حماة الحدود إدراك الأدوار الخطيرة التي يقومون بها، والخدمات الكبيرة التي كانوا يؤدونها للدولة التي يتولون حماية حدودها وضبطها من غارات الأعراب عليها، ولهذا صاروا يتحينون الفرص السانحة والظروف المؤاتية لإرغام الدولة على رفع جعالاتهم ولزيادة امتيازاتهم، و إلا أضربوا عن الحراسة، وأثاروا الأعراب عليهم، وهاجموا هم أنفسهم تلك الحدود حتى تجاب مطالبهم أو يسترضوا، وعندئذ يقبلون بالعودة إلى عملهم. وفي تواريخ المناذرة و الغساسنة، أمثلة عديدة من أمثلة خروج أمراء هاتين الحكومتين على الساسانيين و البيزنطيين، لعدم تلبية مطاليبهم في زيادة الجعالات وفي الحصول على امتيازات جديدة تزيد على امتيازاتهم السابقة الممنوحة لهم.

وكان من نتائج العداء الموروث بين الساسانيين والبيزنطيين إن انتقلت عدواه إلى العرب أيضاً،- فصار أناس منهم مع الفرس، وآخرون مع الروم، وبين العربين عداوة وبغضاء، مع انهما من جنس واحد وكلاهما غريب عن الساسانيين والبيزنطيين. وقد تجسمت هذه العداوة في غزو عرب الحيرة للغساسنة، و في غزو الغساسنة لأهل الحيرة، حتى في الأيام التي لم يكن فيها. قتال بين الفرس والروم، مما أدى أحياناً إلى تكدير صفو السلم الذي كان بين البيزنطيين والساسانين، وتجسمت في شعر المدح والهجاء الذي تجده في حق آل نصر أو آل لخم، من الشعراء الذين وجدوا في هذه البغضاء متسعاَ لهم ومفرجاً في الرزق. فصار بعضهم يساوم في أجور المدح وفي أجور الذم.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق