458
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثالث و الثلاثون
ساسانيون و بيزنطيون
و في جملة مما اتخذه البيزنطيون من وسائل التأثير في الشرقيين، وفي جملتهم العرب، نشر النصرانية، الديانة التي قبلوها ودانوا بها، واتخذوها ديانة رسمية للدولة. وفي نشر النصرإنية تقوية لنفوذهم، وسند لسياستهم في نزاعهم مع الساسانيين. ولهذا نراهم يشجعون إرسال البعثات التبشيرية و الإرساليات الدينية إلى إفريقية والى بلاد العرب والى الهند، وينفقون بسخاء لبناء الكنائس في تلك الأرضين يرسلون الخشب النفيس اللازم للبناء، و "الفسيفساء" التي امتازوا بصنعها، والعمال الروم الهرة في البناء، ليبنوا كنائس فخمة جميلة تبهر العيون وتقر الأفئدة، و تؤثر في العقول، فتجلب إليها الناس وتستهويهم، وهناك يتلقاهم المبشرون الذين أوفدوا للتبشير، بتلقينهم النصرانية و الإخلاص لإخوانهم في الدين وفي طليعتهم الروم بالطبع، وفي ذلك كسب سياسي عظيم. وبذلك صارت "الكنائس" دوراً لعبادة الله، ودوراً للتبشير السياسي والثقافي، ومركزاً من مراكز الاستعلامات والتبادل الثقافي في مصطلح هذا الزمن.
وتمكنت النصرانية من كسب بعض العرب، فجرتهم إليها. جذبت إليها القبائل الساكنة على حدود الأرياف والأطراف، أي سكان المناطق الحساسة الدقيقة بالنسبة إلى الخطط السياسية والعسكرية للساسانيين وللبيزنطيين على حد سواء. وقد كان من سوء المصادفات أن النصرانية كانت قد تجزأت إلى شيع، وان غالبية النصارى العرب تمذهبت بمذهب يخالف مذهب الروم، و لكنها كانت تشعر على كل حال أنها مع الروم على دين واحد. ولهذا لم يحفل ساسة "القسطنطينة" كثيراً بموضوع اختلاف المذهب، وان تألموا من وجوده وظهوره،فساعدوا نصارى اليمن ونصارى الأماكن الأخرى من جزيرة العرب على اختلافهم عنهم، و عملوا في الوقت نفسه على نشر مذهبهم بين العرب، ليتمكنوا بذلك من إيجاد محيط ثقافي سياسي يؤيد البيزنطيين.
وعني الساسانيون بتقوية حدودهم مع الهادية كما فعل البيزنطيون، وكما فعل "الفرث" وغيرهم ممن حكم قبلهم. وسعوا في استرضاء سادات القبائل وأصحاب السلطان من حكام البوادي، وبنوا "المسالح" في المشارف المؤدية إلى أرياف العراق لحمايتها من الغزو، ولتقوم بتأديب الأعراب ومراقبة حركاتهم وتجمعاتهم، لتكون الحكومة على علم بما يريدون فعله، ووضعوا في الخليج سفهناً لحماية سفنهم من التحرش بها، ولحماية حدودهم الجنوبية الواقعة على الخليج من التعرض للغزو و أقام "أردشير الأول" "225 - 241 م"، عدة موانئ بحرية ونهرية لهذا الغرض.
و تقابل هذه "المسالح" ما يقال له "المناظر" في عربيتنا بالنسبة إلى حماية بلاد الشام. فقد كان اليونان والرومان ثم البيزنطيون قد أقاموا خطوطاً Limes من التحصينات اسكنوا بها حاميات ألقوا عليها مهمة الدفاع عن الحدود. وهي تتكون من قلاع Castella ومن حصون "أبراج" Burgi ومن Centenaria و Turres. وخطوط التحصينات هذه، هي "المناظر" عند العرب و "المسالح" بالنسبة لخطوط دفاع الفرس. وواجبها حماية ما يليها من تحصينات أخرى وحاميات أقيمت على "الخنادق" في الإمبراطورية الساسانية، أو ما يقال له Fossatum عند الروم. فهي الخطوط الأولى من خطوط الدفاع. أما الذين يقومون بحراستها و الدفاع عنها، فانهم لا يتقاضون أجراً، أي رواتب على عملهم، لأنهم Limitanei كما يقال لهم في اليونانية. ومعاشهم ما يزرعونه بأنفسهم، أو يدفع لهم من غلاّت الفلاحين الذين يعفون من دفع ما عليهم من استحقاق للدولة. اي ما نسميه بضرائب Capitatio. وينتخب هؤلاء من السكان المحليين، ليكون من السهل عليهم السكن في هذه المواضع البعيدة. وعليهم مشرفون من الفرس أو الروم لتوجيههم ولقيادتهم في أثناء وقوع غزو أو تحرش قبائل بهذه الخطوط.
و شجع الساسانيون مذهب "نسطور" مع انهم كانوا مجوساً، ولم يكونوا نصارى. شجعوه لأنه مذهب يعارض مذهب الروم، فانتشر في العراق وفي إيران وفي سائر الأرضين الخاضعة للحكم الساساني. ودخل في هذا المذهب اكثر النصارى العرب في العراق. ومن يدري? فلعلهم ساهموا من طرف خفي في توسيع الشقة بين هذا المذهب ومذهب الروم ولإلقاء العداوة بين هؤلاء النصارى والروم.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق