34
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثاني
الجاهلية و مصادر التاريخ الجاهلي
ولكنني لا أريد هنا أن اكتفي بتقديم التقدير إلى الهمداني والى الباقين من علماء اليمن الذين سبقوه أو جاؤوا من بعده والثناء على طريقتهم المذكورة، بل لا بد لي من التحدث عن درجة علم هؤلاء العلماء بالمسند، وبقراءة الكتابات وبعلمهم بمعانيها،أي علمهم بقواعد وأصول اللهجات التي كتبت بها مثل اللهجة المعينية أو السبئية أو القتبانية أو الحضرمية وغيرها من بقية اللهجات، وذلك ليكون كلامنا كلاماً علمياً صادراً عن درس ونقد وفهم بعلم أولئك العلماء بتأريخ اليمن القديم.
ولن يكون مثل هذا الحكم ممكناً إلا بالرجوع إلى مؤلفات "الهمداني" وغيره من علماء اليمن لدراستها دراسة نقد عميقة. ومقابلة ما ورد فيها من قراءات للنصوص مع قراءات العلماء المحدثين المتخصصين بالعربيات الجنوبية لتلك النصوص إن كانت أصولها أو صورها موجودة محفوظة، وعندئذ يمكن الحكم حكماً علمياً سليماً على مقدار علم أولئك العلماء بلغات اليمن القديمة و بتأريخها المندرس. ولكننا ويا للأسف لا نملك كل أجزاء كتاب "الإكليل" ولا كل مؤلفات الهمداني أوغيره من علماء اليمن، فالجزء التاسع من الإكليل مثلاَ وهو جزء خصص بأمثال حمير وبحكمها باللسان الحميري وبحروف المسند،هو جزء ما زال مختفياً، فلم نر وجهه، وهو كما يظهر من وصف محتوياته مهم بالنسبة إلينا، وقد يكون دليلاّ ومرشداً لنا في إصدار حكم على علم الهمداني بلغة حمير. ولكن ماذا نصنع ونفعل، وقد حرمنا رؤية هذا الجزء، وليس في مقدورنا نشره وبعثه، فهل نسكت ونجلس انتظاراً للمستقبل، عسى أنُ يبعث إلى عالم الوجود? هذا، وقد طبع الجزء الثامن من الإكليل وكذلك الجزء العاشر منه، فاستفاد منهما المولعون بتأريخ اليمن القديم وبتأريخ بقية أجزاء العربية الجنوبية، وطبع الجزء الأول من هذا الكتاب حديثاً برواية "محمد بن نشوان بن سعيد الحمري"، وقد ذكر أنه اختصر شيئاً في مواضع الاختلاف وفي النسب مما ليس له شأن في نظره دون أن يؤثر على الكتاب.
وطبع الجزء الثاني من الإكليل أيضاً، أخرجه ناشر الجزء الأول: "محمد ابن علي الأكوع الحوالي " من عهد غير بعيد، وليس لنا الآن إلاّ أن نرجو نشر الأجزاء الباقية من هذا الكتاب، ليكون في وسعنا الحكم على ما جاء فيه من أخبار عن أهل اليمن الجاهليين.
إن أقصى ما نستطيع في الزمن الحاضر فعله وعمله لتكوين رأي تقريبي تخميني من علم الهمداني وعلم بقية علماء اليمن بلهجات أهل اليمن القديمة وبتأريخهم القديم، هو إن نرجع إلى المتيسر المطبوع من مؤلفاتهم، لدراسته دراسة نقد علمية عميقة، لاستخراج هذا الرأي منها. وهو وإن كان أقل من الضائع بكثير، ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله، والموجود خير من المعدوم، وفي استطاعته تقديم هذا الرأي التخميني التقريبي. فلنبحث إذن في هذا المطبوع لنرى ما جاء فيه. أما بخصوص الخط المسند، فقد ذكر "الهمداني" إن جماعة من العلماء في أيامه كانت تقرأ المسند،غير أن أولئك العلماء كانوا يختلفون فيما بينهم في القراءة، وكان سبب ذلك - على رأيه - اختلاف صور الحروف، "لأنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس، ويكون للذي يقرأ لا يعرف إلا صورة واحدة". وقد عرف "الهمداني" أن كتّاب المسند كانوا يفصلون بين كل كلمة وكلمة في السطر بخط قائم، وذكر أنهم كانوا يقرأون كل سطر بخط. غير أنه لم يذكر عدد الحروف. وصرح أنهم "كانوا يطرحون الألف إذا كانت بوسط الحرف، مثل ألف همدان وألف رئام، فيكتبون رئم وهمدن، ويثبتون ضمة آخر الحرف وواو عليهمو". وهي ملاحظات. تدل على إحاطة عامة بالمسند، سوى ما ذكره من اْنه ربما كان للحرف أربع صور وخمس، ويظهر أنه وغيره قد توصلوا إلى هذا الرأي من اختلاف أيدي الكتّاب في رسم الحروف ونقرها على الحجر، كالذي حدث عندنا من تباين الخطوط باختلاف خطوط كتبته، فأدى تباين الخط هذا إلى اختلافهم في القراءة، وإلى ذهابهم إلى هذا الرأي، أو أنهم اختلفوا فيها من جراء تشابه بعض الحروف مثل حرف الهاء والحاء، فان هذين الحرفين متشابهان في الشكل، فكلاهما على هيئة كأس يرتكز على رجل، والفرق بينهما، هو في وجود خط عمودي في وسط الكأس هو امتداد لرجل الكأس، وذلك في حرف "الحاء"، أما الهاء، فلا يوجد فيه هذا الخط الذي يقسم باطن الكأس إلى نصفين. ويشبه حرف "الخاء" حرف "الهاء" في رسم رأس الكأس، ولكنه يختلف عنه في القاعدة، إذ ترتكز هذا الرأس على قاعدة ليست خطاً مستقيماً، بل على قاعدة تشبه كرسي الجلوس ذي الظهر. ومثل التشابه بين حرفي الصاد والسين، فكلاهما على هيئة كأس وضعت وضعاً مقلوباً، بحيث صارت القاعدة التي ترتكز الكأس عليها إلى أعلى. أما الرأس، وهو باطن الكأس، فقد وضع في اتجاه الأرض. ولكن قاعدة "الصاد" هي على هيئة رقم خمسة في عربيتنا، اي على هيئة دائرة أو كرة بينما قاعدة حرف السين هي خط مستقيم،أما باطن كأس حرف "الصاد"، ففيه خط يقسمه إلى قسمين وذلك في الغالب، وقد يهمل هذا الخط المقسم، أما حرف السين، فلا يوجد فيه هذا الخط.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق