إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 15 نوفمبر 2015

204 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثامن عشر العرب و الرومان


204

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي

الفصل الثامن عشر

العرب و الرومان


وقد أزعجت القبائل الرومان بغارتها على الأرضين التي استولوا عليها و أخضعوها لحكمهم، فأوجد الرومان جيشاً مرتزقاً من آهل البلاد التي تحكموا في امرها، وضعوه تحت إمرة جماعة من الضباط الرومان، وجعلوا واجبه حماية الحدود والدفاع عنها،و أقاموا له ثكنات على طول تلك الحدود، ورد أسماء بعضها في الكتابات الصفوية وغيرها. ومع ذلك كانت القبائل و تهتبل الفرص، فتهاجم الحدود و تتوغل في الأرضية الخاضعة للرومان تستولي على ما تجده أمامها من مال وحيوان، ثم تعود سرعة إلى مضاربها في البادية حيث يصعب على الرومان محاربتها هناك.

كانت الإسكندرية منذ تأسيسها إلى الفتح الإسلامي، المنبع الذي أمدّ رجال السياسة والحرب والعلم يما احتاجوا إليه من علم عن بلاد الشرق وإفريقية. فيها تجمع التجار أصحاب المال يبحثون عن البضاعة وعن منشئها وأسعارها في المنشأ وفي كيفية الحصول عليها بأسهل السبل وبأرخص الأسعار، منهم من ذهب بنفسه إلى مواطن البضاعة وإلى الأسواق الرئيسية المجهزة، فتموّن منها ما احتاج إليه، ومنهم مهن تسقط أخبارها من تجار الإسكندرية أو التجار الوطنيين الوافدين على الإسكندرية، أو من رجال السفن. وفي الإسكندرية كانت في الغالب نهاية مطاف ربابنة السفن الذين خبروا البحر وعركوه، ووقفوا على أحوال البلاد الغريبة العحيبة: علم إفريقية و آسية، ومن أفواههم تلقف التجار والعلماء أخبار البحار وما وراءها من أرضين، وفي مكتبتها ودوائرها الرسمية حفظت تقارير قادة الأساطيل والجواسيس الذين كانوا يتجسسون الأخبار عن أحوال حكومات وشعوب تلك البلاد. وهي تقارير لابد إن تكون على غاية من الخطورة و الأهمية عند خلفاء الإسكندر ثم الرومان فالبيزنطيين، ويحدثنا "أغاثر شيدس" "أغاثر خيدس" الذي عاش في الإسكندرية في حوالي "110 ق. م." إنه اخذ علمه بأحوال البحر الأحمر من أفواه أناس قاموا هم أنفسهم بأسفار إلى البحر الأحمر وإلى ما وراءه، كما أخذه من وثائق ملكية وسجلات كانت محفوظة، سمح له بالوقوف عليها، وفي جملتها تقرير "أرسطون" "أرستون"، و هو أحد رجال البحر الذين كلفهم "بطلميوس الثاني، أو "بطلميوس" آخر كشف البحر الأحمر، فلما أنجز عمله وخبر أمر الساحل العربي بحر، قدم تقريره المذكور. فحفظ في جملة الوثاثق الخطيرة المهمة في خزانة وثائق الإسكندرية ومن هذا المنبع أخذ بقية الكتاّب. ومنهم من قام نفسه بركوب البحر وبأسفار في الشرق، ثم عاد إليها ليضع ما حصل عليه في كتاب.

والخلاصة إن هذه التطورات والأحداث السياسية والعسكرية التي وجهت أنظار الغرب منذ أيام "الإسكندر الأكبر" نحو الشرق، قد أدت إلى نزول اليونان والرومان بأنفسهم إلى البحار الدافئة لمنافسة العرب في تجارتهم، في بحارهم وفي البحار الأخرى، فبنوا سفناً أقوى وأكبر وأوسع، وأخذوا يقومون أنفسهم بالتدريج، ويضلون الموانئ المهمة أو يقيمون لهم قواعد قوية عسكرية على السواحل لحماية خطوط مواصلاتهم البحرية، وبذلك أصابوا التجارة العربية إصابة مباشرة وأنزلوا بها ضرراً بالعاً، إذ أخذوا يشترون منتجات البلاد الحارة من مواضع إنتاجها، وصاروا يزاحمون السفن العربية التي لم تتمكن من تطوير نفسها تطويراً يناسب الزمن وروح العصر، فتغلبت سفن الروم والرومان عليها كما تغلب البرتغاليون فيما بعد ثم مَنْ جاء بعدهم من الغربيين على السفن العربية في عصور الاستكشاف، واضطر التجارة العرب إلى اعتزال البحر والانسحاب منه تدريجاً والاكتفاء بشحن ما محصلون عليه بطرق البر، إلى أسواق تفرض ضرائب مرتفعة على التجار والتجارات. وقد أدى هذا التطور إلى إضعاف مركز العرب الجنوبيين إضعافاً كبيراً، وإلى إلحاق الأذى بثرائهم، وصار الروم والرومان يتدخلون في شؤون العربية الجنوبية تدخلاً مباشراً أو غير مباشر بتحريض الجيش والقبائل العربية على حكومات العربية الجنوبية على نحو ما سنراه مفصلاً فيما بعد.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق