203
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثامن عشر
العرب و الرومان
وقد سعى القيصر "سفيروس الكسندر" "سويروس الكنسندر" للوصول إلى الخليج، و ذلك في حروبه مع الفرس سنة "232 م"، وقد تمكنت بعض قوّاته الزاحفة عن طريق نهر الفرات من بلوغ "البطائح"، ولكنها جوبهت بمقاومة عنيفة من الفرس، حتى اضطرت إلى العودة من حيث أتت، ولم تتمكن من تحقيق هدفها المنشود.
وحاول "فيليب العربي" Philipus Arabus،جاهداً الوصول إلى اشد والسيطرة على الخليج، غير إن الحظ لم يكن في جانبه في حروبه مع الفرس، واضطر إلى ترك ذلك المشروع الخطير.
وقد انتهز الأعراب فرصة الكارثة التي نزلت بالقيصر "فاليريان" Valerianus "253 - 260 م"، بتغلب للفرس عليه، فأخذوا يهاجمون الخطوط الرومانية الدفاعية، ويباغتون مدنها بغزوهم لها، مما حمل من جاء بعده من حكام "رومة" على تقوية الحصون و إعادة ترميم استحكاماتها، ومن هذه مدينة Adraha، وهي "درعه" "درعا" "الدرعة". لتصمد أمام غارات الأعراب التي تكاثرت عليها.
وقد كوّن الرومان كتائب من الجنود العرب ألفّوها لحماية الطرق وللدفاع عن حدودهم الطويلة المتصلة بالبوادي، وهي حدود يصعب على الجيوش النظامية حمايتها، ولذلك عمدوا إلى تكوين هذه الكتائب. وفي في الكتابات "الصفوية" كتابات دوّنها أصحابها يذكرون فيها فرحهم وحمدهم لآلهتهم لأنها ساعدتهم في فرارهم من الخدمة في الجيش الروماني، ورجوعهم إلى أهلهم سالمين، بعد إن قتل غيرهم في أثناء فرارهم على أيدي من كان يتعقبهم من عساكر الروم أو البيزنطيين لإجبارهم على الرجوع إلى ثكناتهم. والظاهر إن كثيراً من هؤلاء كانوا من الجنود المرتزقة أو المسخرة التي أكرهت على الخدمة في الجيش. فنجد في إحدى الكتابات إن رجلاً اسمه "حنين بن حنين بن أياس" اتخذ سنة فراره من "نمارة السلطان"، مبدأ أرخ به، دلالة على أهمية تلك المناسبة بالنسبة إلى حياته، وذكر إنه شاد قهراً على مرقد أخته "وبنى هرجم" "وبنى الرجم"، والرجم القبر. والظاهر إن "السلطان"، أي "سلطان" الروم تعبير عن حكومة كانت قد أقامت مركزاً أو حامية أو معسكراً "نمارة"، وكان حنين أحد من كان في ذلك المعسكر ففر منه، وفرح لنجاته بنفسه.وتعبر "السلطان" من التعابير العربية القديمة التي لا تزال حية حتى اليوم.
وفي رجلاً آخر اسمه "مغير بن محلم"، يؤرخ بسنة هرب رجل اسمه "جر" "جور" من "قصر نقات" "قصر نقأت". والطاهر إن "قصر نقأت" كان ثكنة من ثكنات الروم، وقد حشد فيها جمع من العرب لأداء ا الخدمة العسكرية للسلطات الرومانية، ففر منها "جور". وفي هذه السنة جاء "مغير" إلى قبور جماعة ذكر أسماءهم قتلوا فوضع رجماً أي حجارة فوق قبورهم تعبيراً عن تكريمه لذكراهم. وقد وردت في النص جملة "طر هسموي"، أي "طير السماء". وقد ذهب "ليتمان" E. Littmann إلى احتمال كون "طير" اسم رجل، و "هسموى" بمعنى "السماوي"، أي نسبة إلى بادية السماوة، أو اسم موضع "سمه" "سامه" يقع جنوب شرقي "بصرى".
ونجد شخصاً اسمه "تيم ايل" يذكر في كتابة له هذه الجملة "ونفر من رم"، أي "ونفر من الروم"، و "نفر" بمعنى "فر" في الصفوية. ولم يذكر "تيم ايل" سبب فراره من الروم، ولعله كان من الكتائب العربية، ففر منها طلباً للحرية والراحة والمعيشة مع الأهل، أو إنه كان قد غزا حدود الروم، فقبض عليه وسجن ففر من سجنه. ونجد رجلاً آخر يذكر إنه "نفر من الروم" وذلك في سنة ثلاث. ويقصد بسنة، مرور ثلاث سنوات على تأريخ احتلال الرومان لبلاده، وقد وقع ذلك في السنة "105" أو "106" للميلاد، أي في عهد تكوين المقاطعة العربية وسقوط "بصرى" في أيدي الرومان على نحو ما ذكرت. فتكون أذن سنة هربه مساوية لسنة "108" أو "109" بعد الميلاد.
وقد عبر شخص آخر عن هربه من الروم ورجوعه إلى اهله ناجياً سالماً بعبارة "ونجى من رم"، أي "ونجا من الروم". فيظهر إنه كان أيضاً في أيدي الرومان لسب نجهله فاهتبل الفرص، وهرب منهم، ونجا بنفسه، حيث وصل إلى منزل جده وأقام عنده يرعى ماعزاً له. و أما "سواد بن يسلم"،فقد كان يشعر إن الرومان كانوا يراقبونه ويتعقبون آثاره لسبب لم يذكره، وقد عبر عن ذلك بقوله " وخرص ال روم" أي "وخرّص الروم"، بمعنى إنه راوغهم وخلص منهم. ولم يذكر سبب مراقبة الرومان له فلعله كان قد اغار على ارض الروم، أي الأرضين المحتلة الخاضعة لهم ليغنم منها شيئاً فتعقبه حرسهم، ولكنه راوغهم "وخرص" منهم ونجا.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق