202
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثامن عشر
العرب و الرومان
وقد اكتسحت فتوحات "تراجان" مناطق واسعة من الشرق الأدنى، ويقال أنه وصل إلى جنوب العراق، وإنه دخل مدينة "كاراكس" "كركس" Charax، وإنه نظر سفينة قاصدة اشد، فتحسر وتنهد، لأنه بلغ من العمر مبلغاً لا يسعفه على ركوب تلك السفينة واستنشاق هواء ذلك البحر، وقد غبط الإسكندر الذي سبقه إلى هذا المكان بمئات من السنين، وكان أصغر منه سناً، فبلغ مبلغاً لم يصل إليه ملك هذا الإمبراطور.
وقد كان على مقربة من "الرها" Edessa سيد قبيلة عربية اسمه "معنو" Ma'nu أي "معن". وكان يحكم العرب المجاورين. ولما طلب القيصر "تراجان" حضوره إليه لمكالمته لم يلب طلبه بالرغم من علامات الودّ التي أظهرها له. ذلك لأن القيصر كان يشلك في نياته، فخاف إن يقبض عليه، وتراجع إلى مواضع بعيدة، فاستولى الرومان على "سنجار" Singara وكانت تابعة له. وقد نزل العرب فيها واختلطوا بسكانها الأصليين.
لقد كان البخور رأس بضائع العالم الثمينة المطلوبة في ذلك العهد. كان سعره يساوي سعر الذهب والبترول في هذه الأيام. ولم يكن يشتريه لغلائه هذا إلا رجال الدين، لاستعماله في الشعائر الدينية التي تستنزف القسم الأكبر منه،والملوك والأثرياء، وذلك لحرقه في المناسبات الدينة وفي اجتماعاتهم. ونجد المؤرخ الكاتب "بلينيوس" يشتكي من تبذير "نيرون" عاهل "رومة" "54 - 68 م" ومن إسرافه في حرق البخور واللبان لاجراء شعائر جنازة زوجه المتوفاة. فقد كلف حرق تلك المادة الضرورية في مثل هذه المناسبات خزينة الدولة ثمناً باهظا لارتفاع أسعارها في ذلك الزمن.
وآخر ما يقال عن تدخل الرومان في شؤون جزيرة العرب، هو إن القيصر "سبتيموس سفيروس" Septimus Severus، أرسل حملة عسكرية في سنة "201 م" توغلت في "العربية السعيدة"، غير إن معارفنا عنها قليلة، فلا نعلم إلى أين وصلت وكيف انتهت. ولعلها كانت قد تقدمت من "المقاطعة العربية"، وهي المقاطعة الجديدة التي أوجدها الإمبراطور "تراجان" على حطام مملكة النبط. وكان الذي قاد الحملة العسكرية على "العربية السعيدة" Eudaimon Arabia ابن القيصر "سبتيموس سفيروس". وقد اشتهر فيها، غير إن معارفنا عنها لا تزال قليلة. وقد وردت أخبار هذه الحملة في موارد لم تشر إلى اسم القيصر الذي أمر بتجريد تلك الحملة على "العربية السعيدة"، إذ اكتفت بذكر لفظة "قيصر". ويظهر منها إن جيوش القيصر أنزلت خسائر فادحة أولاً بالعرب الساكنين في البادية وقد دعتهم تلك الموارد ب Skenitae، أي "سكان الخيام" ويراد بهم الأعراب، ثم سارت تلك الجيوش حتى بلغت "العربية السعيدة"، وذلك في السنة "196 - 198 ب. م.". ولا نعلم إلى أي مدى وصل إليه القيصر أو ابنه في هذه الغزوات.
وقد ذهب بعض الباحثين إلى إن "كره كالا" Caracalla الذي خلف والده "سبتيميوس سفيروس" Septimus Severus ، هو الذي قاد الجيش الروماني الذي زحف على العرب الساكنين في أعالي "العربية السعيدة" Arabia Eudaimon كما يسميها "بطلميوس"، وانه في ذلك العهد كانت حروب "سبتيميوس" مع "البارثيين" Parthians "197 - 199 م". ويرون إن الرومان لم يتوغلوا جيداً في جزيرة العرب، وربما كان أقصى ما بلغوه ديار ثمود.
وفي كتاب "بحث في القضاء والقدر" Dialog Uber das Atom وهو المسمى أيضاً ب "كتاب قوانين البلاد" Buch der Gesetze der Lander ل "برد يصان" Bardeanes الذي عاش فيما بين السنة 154 والسنة 222 للميلاد إشارة إلى إن الروم لما استولوا على العربية Arabia من عهد غير بعيد عن أيامه، أبطلوا قوانين أهلها البرابرة. ويقصد بالبرابرة الأعراب على ما يظهر. ويظهر إنه قصد بذلك الحملة الرومانية المذكورة. وفي تأريخ الإمبراطورية الرومانية أسماء رجال يرى بعض المؤرخين إنهم كانوا من أصل عربي، من هؤلاء "يوليا دومنا" Iulia Domina "يوليا ميا" Julia Maesa، و "ايلاكبل" Elagabal "218 - 222 م"، و "يوليا مامية" Julia Mammaea و "سيفيروس الكسندر" Severus Alexander "222 - 235 م"، وكانوا في رأيهم من أسرة دينية عربية. أما "فليب" Phi;ippus "244 - 249 م" الذي تولى عرش "رومة"، فقد عرف ب "فليب العربي"، وقد برز نفر من أسرة "الزباء" ملكة تدمر، ونالوا مراكز ممتازة في الامبراطورية الرومانية.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق