199
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثامن عشر
العرب و الرومان
لم تصل إلينا أخبار مفصلة عن مشروعات الرومان في جزيرة العرب بعد هذه الحملة. والطاهر إنهم غيروا خططهم السياسية، وكيفوها تكيفاً جديداً يوائم التطور الذي حدث في الموضع العالي في القرن الأول للميلاد، ويناسب للدروس التي تعلموها من حملتهم المخفقة المذكورة. فلم يفكروا في فتح عسكري مباشر لجزيرة العرب يكون متجهاً من الشمال للجنوب، مخترقاً الطرق البرية، بل رأوا تقوية أسطولهم في البحر الأحمر، وتحسين علاقاتهم السياسية بالإمارات العربية وبسادات القبائل، للمحافظة على مصالحهم الاقتصادية، وتوجيه أنظارهم نحو ساحل إفريقية وحكومة الحبشة. فعقدوا اتفاقيات صداقة ومودة مع حكام "أكسوم"، كونوا حلفاً معهم، وبذلك أخذوا يضغطون منذ ذلك العهد على السبئيين.
ويحدثنا صاحب كتاب "الطواف حول البحر الأريتري" إن الرومان عقدوا معاهدة تحالف مع ملك "ظفار"، وهو ملك Homeritae، وتدل هذه الإشارة الغامضة على وجود صلات بين الرومان وبين رئيس حمير في هذا العهد. وفي هذا التحالف ما فيه من شرح للعلاقات السياسية الجديدة التي حدثت بين الرومان والعربية الجنوبية، ومن محاولات الرومان، ثم البيزنطيين من بعدهم، التدخل في شؤون البلاد العربية الجنوبية بأسلوب جديد.
ولا ندري متى احتل الرومان ميناء "عدن" الذي يسمونه Eudamon=Emproion والذي دعاه "بلينيوس" Athene=Athenae=Athaene، إذ يحدثنا مؤلف "كتاب الطواف حول البحر الأريتري" إن "القيصر" Kaisar استولى عليه في زمن غير بعيد عن زمانه ودمره. وقد تصور بعضهم إن ذلك وقع في أيام "كلوديوس" "41 - 54م" أو قبلها بقليل. ولعل لمساعدات "الأكسوميين" لحكام "رومة" فضلاً في هذا الاحتلال. ولا بد إن يكون هذا الاستيلاء قد حدث من البحر، إذ لا يعقل وقوعه من البر. فقد كان البر في أيدي السبئيين والقبائل العربية الأخرى. وقد رأينا قبل قليل إخفاق الرومان في الاستيلاء على اليمن، ورجوعهم عنها خائبين. ولأهمية "عدن" من جميع الوجوه نستطيع إن نتصور إنهم قد حصلوا على فوائد عظيمة من هذا الاحتلال الذي لا فعرف منتهاه وخاتمته، وكيف حدثت تلك النهاية.
ويرى يعض الباحثين إن استيلاء الرومان على عدن" كان بعد حملة "أوليوس غالوس" على اليمن، وربما بعد الميلاد بقليل. وذلك بعد إخفاق تلك المحاولة الرامية إلى بلوغ المحيط الهندي من البر والاستيلاء على العربية الجنوبية، تعويضاً عن تلك الخطة الخائبة، فنجح الرومان في الاستيلاء على الميناء من البحر، وذلك في حوالي السنة "24" بعد الميلاد، وهو زمن غير بعيد عن حملة "أوليوس غالوس".
وقد ذهب."مومسن" Mommsen، إلى إن الاستيلاء على عدن كان قد وقع في أيام "كايوس قيصر" Caius Caesar، إذ ورد في الأخبار إن أسطوله في البحر الأحمر كان قد استولى على جزء صغير من بلاد العرب، فيحتمل على رأي "مومسن" إن يكون المكان الذي استولى عليه هو عدن. ويحتمل على رأيه أيضاً إن يكون هذا الاحتلال قد وقع بعد قليل من هذا الوقت. بينما ذهب آخرون إلى إنه وقع في أيام "كلوديوس" Claudius، أو "نيرون" "نيرو" Nero.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق