193
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثامن عشر
العرب و الرومان
نرى من خبر "سترابون" عن حملة "أوليوس غالوس" إن أول موضع نزل فيه الجيش الروماني في بلاد العرب، هو فرضة "لويكة كومة" ففي هذه الفرضة أنزل الجيش، و فيها استراح، ومنها اتجه في سيره لتحقيق الغاية التي من أجلها جاء. وأما الميناء الذي أبحرت منه هذه الحملة المخفقة، فكان ميناء "أكرا" Egra أو "نيكرا" Negra "نيرا" Negra Kome Nera Nera Kom بحسب اختلاف القراءات. ويرى "فورستر" إن Negra هي "ينبع" ألفرضة الشهيرة، وفيها عيون عذاب غزيرة. وهو الميناء الثاني في الحجاز في الزمن الحاضر، وميناء "المدينة". ويرى إن كلمة "نيرا" اليونانية تعني "يشع" في العربية، و ذلك يعني Nera Kome في العربية "مدينة ينبع"، وأن Nera Kome التي أبحر منها اليونان هي ينبع، لا مكان آخر، في رأي هذا الباحث. وأما "كلاسر"، فلم يتأكد من موضع Egra. أما "شبرنكر": فيرى إنه "عويند" الواقع على خط عرض "27" درجة وخمس ثوان. وأما "فلبي" فيرى احتمال كونه "مدائن صالح". وهو رأي يتعارض مع قول "سترابون" إن Egra هي في أرض "عبادة" وعلى ساحل البحر، ومنها أبحر رجال الحملة إلى مصر.
ويذهب البعض إن قرية Egra، هي "الحجر". وهي بعيدة بعض البعد عن ساحل البحر، ويرى إنها كانت متصلة بميناء عرف باسمها أيضاً. كما إن ميناء "مدين" عرف باسمها أيضاً. ويرى إنه "الوجه" في الوقت الحاضر. ويزعم "سترابون" إن الإصابات التي أصابت الرومانيين، إنما هي من الأمراض والأوبئة ومشقات الطرق. أما من المعارك فلم يتكبدوا فيها إلا سبع إصابات. وفي زعم "سترابون" المذكور مبالغات ولا شك، إذ كيف يعقل عدم تكبد الرومان خسارة ما، مهما قيل في تنظيم الجيش وحسن تدريبه? وقد أشار في كلامه على إحدى المعارك، التي هاجم فيها العرب والرومان، إلى إنهم تكبدوا عشرة آلاف قتيل على حين خسر الرومان قتيلين اثنين فقط. وفي هذا القول وحده ما فيه من مبالغة ظاهرة.
لم يذكر "سترابون" - وهذا أمر يؤسف عليه جداً - من أسماء المواضع التي مر بها الرومان، أو من أسماء القبائل التي اتصلوا بها، أو اصطدموا بها، غير ما ذكرت، وهو شيء قليل جداً، لا يتناسب أبداً مع أهمية تلك الحملة التي قضت أشهراً في بلاد العرب، خاصة إذا ما تذكرنا إن الرجل كان سائحاً وكاتباً وجغرافياً ومؤرخ، وكان صديقاً لقائد الحملة، ومدافعاً عنه، وقد كان نفسه من المشاركين في الحملة، في رأي بعض الباحثين. وما ذكره في الجملة عن بلاد العرب، يدل على إن معارفه عن جزيرة العرب محدودة، وقد استقاها من كتب من تقدمه من المؤلفين أو من السياح والملاحين والتجار من غير تدقيق أو نقد. وأعتقد إن أقدامه لم تطأ أرضاً في جزيرة العرب. وليس هنالك من شاهد يثبت اشتراكه في هذه الحملة، ولست أعتقد إن لدى القائلين باشتراكه فيها دليلاً قوياً يثبت ذلك الرأي. ولعله نقل ما قصه عن الحملة من تقرير قسمه إليه صديقه "أوليوس غالوس" أو أحد الذين اشتركوا فيها.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق