207
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث السادس:النظم العسكرية في عهد صلاح الدين:
تاسعاً:إدارة شؤون القتال والسلم والأسرى:
10-معاملة الأسرى:
لم يكن صلاح الدين يميل إلى سفك الدماء والانتقام من الأسرى الصليبيين على الرغم من أنهم جاؤوا في الأساس غزاة محتلين لبلاد المسلمين، فيما يروى عنه في هذا الصدد أنه منع أولاده من قتل الأسرى، لكيلا تنموا في نفوسهم غريزة سفك الدم، فلربما إذا اعتادوا على قتل أسراهم، وهم صغار، فسيفعلون ذلك دون تفريق بين المسلم والكافر ( ) ، بل إنه حذر ولده الملك الظاهر – وهو ابن العشرين سنة – من إراقة الدم في آخر وصية له أثناء مرضه الأخير ( ) وبصورة عامة نجد أن معاملتهم كانت تتابين بين تشغيلهم في أعمال السخرة وحجزهم في دمشق، وعرضهم للبيع أو قتلهم. ولعل من الصواب أن نقول : أن صلاح الدين لم يشذ عن القادة أو الحكام السابقين في طريقة تعامله للأسرى كنور الدين محمود الذي سار صلاح الدين على نهجه في طريقة حكمه وكان يجهز على الأسرى في بعض المناسبات، كما حدث في سنة 552ه/1157م حين جلب له الأسرى، فأمر بضرب أعناقهم وكذلك نور الدين محمود يسجنهم في أكثر الأحيان، لاسيما القادة الكبار منهم كما حدث لأرناط "رينودي شاتيون" صاحب أنطاكية ثم "الكرك" الذي حبسه خمس عشرة سنة، ثم أطلق الأمير كمشتكين، أحد إمراء نور الدين، سراحه بعد وفاته نكاية بصلاح الدين وكان القصد من الإبقاء على حياة الأسرى – لاسيما الأمراء منهم – هو الاستفادة منهم في إجراء عملية التبادل مع الأسرى المسلمين. إذ أن المعروف عن نور الدين محمود حرصه الشديد على فكاك أسرى المسلمين، سواء بالتبادل أو بالفداء، ولاسيما الأسرى المغاربة منهم، لأنهم غرباء عن الشام، ولا أهل لهم فيها، فمما يذكره ابن جبير بهذا الصدد أن من جميل صنع الله تعالى لأسرى المغاربة في الشام، أن الملوك والأغنياء كانوا يخرجون مبلغاً من مالهم يخصصونه لافتكاك الأسرى المغاربة ( ) ، وحرص صلاح الدين على الاقتداء بنور الدين محمود والسير على منواله في هذا، بل إنه ما برح يطلق سراح الأسرى الصليبيين الفقراء دون مقابل، كما حدث لدى فتحه، بيت المقدس، إضافة إلى قيامه بإفتكاك الأسرى المسلمين وقد تحتم ذلك عليه بوصفه المسؤول عن حياة المحاربين، ولأن بتحريرهم من الأسر يطلق قوة إسلامية حبيسة في معسكر العدو، ومن ثم فإن ذلك عمل من أعمال البر والتقوى، وسار على هذا النهج بعض امرائه، فمما يذكر عن مظفر الدين كركبري صاحب أربيل، صهر صلاح الدين، أنه كان يبعث برسله مرتين في كل سنة إلى بلاد الساحل "الشام" ومعهم المال الكثير لتحرير الأسرى المسلمين من أيدي الصليبيين ( ) ، حتى أن سبط ابن الجوزي يقول إن أموال إمارته قد استنفذتها الصدقات وقدر هذا المؤرخ عدد أسرى المسلمين الذين حررهم هذا الأمير بنحو ستين ألف أسير، ما بين رجل وإمرأة ( ) ومن وقائع حسن معاملة الأسرى ما حصل سنة587ه/1191م حين أحضروا إليه خمسين وأربعين نفراً صليبياً من بيروت، وكان بينهم شيخ طاعن في السن، لم يبق في فمه ضرس، ولدى إحضاره أمام صلاح الدين طلب من الترجمان أن يسأله عن السبب الذي حمله على القدوم في الشرق وهو في هذا العمر، وغيرها من الأسئلة، فأجاب الصليبي الهرم على أسئلة السلطان، فرق له السلطان، ومنّ عليه وأطلقه وأعاده راكباً على فرس إلى معسكر العدو ( ) .
في حين كان صلاح الدين ينتقم من بعض الأسرى شر انتقام، لأنهم ارتكبوا جرائم شنيعة لا تغفر إلا بسفك دمهم، بل والتشهير بهم قبل الشروع بقتلهم ( ) ، كما سيأتي بيانه في محله بإذن الله ونجد أن صلاح الدين كان يرى أن من الأفضل الإبقاء على حياة الأسرى للاستفادة من طاقتهم في بعض الأعمال، فحين شرع ببناء حصن القاهرة "قلعة صلاح الدين" سخر هؤلاء الأسرى في القيام بالأعمال الشاقة، كنشر الرخام ونحت الصخور العظام، وحفر الخندق المحدق بسور الحصن، وكان خندقاً ينقر بالمعاول نقراً في الصخر عجباً من العجائب ولا سبيل – كما يقول ابن جبير – أن يمتهن في ذلك البنيان سوى العلوج الأسارى من الروم ( ) ، وذكر مؤرخ مصري متأخر: أن قراقوش كان يستعمل في بناء القلعة والسور خمسين ألف أسير صليبي ( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق