إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 6 نوفمبر 2015

81 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الخامس طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها


81

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي

الفصل الخامس

طبيعة جزيرة العرب وثرواتها وسكانها

وفي هذه المواضيع من العربية الجنوبية وفي الأودية وحافات الهضاب والجبال التي كانت تنبت بها تلك المواد الثمينة، والتي لا تزال تنبت على الطبيعة، تشاهد كهوف ومغاور غريبة وآبار وكتابات جاهلية بالمسند، وآثار مقابر تتحدث كلها عن قوم كانوا قد استوطنوا هذه الأماكن قبل الإسلام بزمان طويل. أما الان، فهي خرائب، ترجو من الأحياء توجيه نظرهم إليها لإحيائها ولاستنطاق آثارها وكنوزها لتحدثهم عن ماضيها القديم.

وقد حبت الطبيعة اليمن بمزية جعلتها تحتضن كل النباتات المذكورة، وتنبت اكثر أنواع المزروعات، وذلك بانعامها عليها بجبال وبمرتفعات وبمنخفضات حارة رطبة، هيأت لها ثلاثة جواء، تنتج محصولات ثلاثة أنواع من المناخ: منتوج المناخ المرتفع البارد، ومنتوج المناطق المعتدلة، ومنتوج المناطق الحارة.

وقد عرف أهل اليمن الأذكياء كيف يستغلون تربتهم، فعملوا مدارج على سفوح جبالهم وعلى المرتفعات، أصلحوا تربتها، وذلك لحصر مياه المطر عند نزوله، ضماناً لدخوله التربة وإروائها، وزرعوا تلك المدارج أو السلالم العريضة بمختلف المزروعات وذلك قبل الإسلام بأمد طويل، فأمنوا بذلك خيراً وافراً لهم، جعل اليمن من أسعد بلاد جزيرة العرب، فهي العربية السعيدة والعربية الخضراء بكل جدارة، وهي موطن الحضارة وأرقى مكان نعرفه في الجزيرة في أيام ما قبل الإسلام.

ومن النبات ما هو دخبل استورد من الخارج، من العراق أو من بلاد الشام، وقد احتفظ قسم منه باسمه الأعجمي القديم. ويظهر إن بعضه قد دخل بعد الميلاد. وقد يكون من المفيد دراسة نبات جزيرة العرب قبل الإسلام، لمعرفة الدخيل منه وكيفية وصوله إلى الجزيرة، كما يستحسن دراسة الكتابات الجاهلية لاستخراج ما ورد فيها من أسماء النبات.

و أما البوادي فإن ظروف الخصب و النماء فيها محدودة، تركزت في مواضع المياه و في الأماكن الرطبة التي تكون المياه الجوفية فيها على حافة القشرة، و في أعقاب الأمطار، حيث تخضر الأرض و تلبس حلة سندسية جميلة، لكن لبسها لا يدوم طويلا، فسرعان ما تمزقها الرياح الجافة و الاهوية الحارة ، فتقضي عليها وتظهر حقيقة ما تحتها من تربة جافة عبوس، لا مكان للنبات فيها ولا مجال لزرع فيها في مثل هذه الظروف.

والواحات ومواضع الآبار والمياه في البوادي، هي رحمة للإنسان حمّاً، ومنظر تقرّ به العين. فالواحة في البادية، لؤلؤة وكنز وجنة وسط جحيم، لا يدرك جمالها ولا يعرف قدرها إلا من اضطر إلى ركوب البوادي وتعرض لرياح السموم ووهج الشمس وعواصف الرمال تستقبل الأوجه بذرات الرمل الناعمة، تهاجم العيون والأنوف والأفواه، وتضطر حتى الجمل إلى البطء في سيره والى التوقف، ثم تأتي على ما لدى الإنسان من ماء حرص على حمل أكبر كمية يستطيع حملها للوصول إلى مكانه المقصود لضمان حياته في هذه البادية وحياة حيوانه الذي هو فيها جزء من حياته أيضا. ولولا الآبار والواحات في هذه البوادي، لما كان من الممكن طرقها وسلوكها، وإلا كان الدمار والهلاك.

وفي هذه المواضع التي حبت مما الطبيعة ب "إكسير الحياة" يستعيد المسافر نشاطه ويتجدد أمله، ويسترد قواه، يعطيه ماؤها قوة تعيد إليه كبرياءه وعظمته وجبروته، ثم تنسيه كل ما تعرض له من مصاعب ومشقات، وما أبداه من عجز وضعف تجاه القوى الخفية القادرة المهيمنة على الصحراء. وعندئذ يتذكر حكمة: )وجعلنا من الماء كل شيء حي(. ويشعر ببحر الماء والخضراء، يسحر هذه الأشجار والشجيرات والأعشاب النامية في هذه التربة بفضل "إكسير الحياة". ومهما كان الإنسان في هذا المكان من السذاجة والبلادة والجهل، فلا بد إن يستولي عليه شعور من حيث لا يشعر بعظمة سحر هذا المكان.

أما الغرباء الذين يعجبون من تقاتل العرب فيما بينهم على موضع صغير فيه بئر أو بركة ماء أو عشب، فإنهم سيدركون سر هذا التقاتل في حياة أهل البادية لو كلفوا أنفسهم يوماً اجتياز تلك البوادي الواسعة العابسة. عندئذ فقط، يدركون إن ذلك القتال الذي وسم أهل البادية بسمة حب الغزو والغارات لم يكن سببه فردية وأنانية، وإنما غريزة إنسانية تغلبت في كل إنسان متى عاش في هذه الظروف القاسية العابسة الفقيرة. إنها غريزة المحافظة على الحياة.

ولا غرابة بعدُ إذا ما تغنى العربي. بمواضع المياه والبادية بعد نزول الغيث عليها، و إذا ما أظهر الحنين إليها، وتوجع في شعره وفي غنائه على الليالي المقمرة يقضيها في باديته يناجي سماءه الصافية ونور قمره الساطع يغازله وبوحي إليه، ويرسل أليه النسمات العليلة، والى جانبه حبيببته. يذكر حسه هذا في شعره وفي غنائه وفي موسيقاه، حتى ليبدو للغريب، وكأن ما يقوله العربي ويحس به نغمة واحدة ساذجه مكررة تعاد وتعاد من غير معنى ولا سبب. ولكن حسه هذا حس الصحراء، وليس في الصحراء غير نغم واحد، تترنم به الطبيعة، فإما هدوء شامل، و أما نسمة واحدة عليلة مشمرة، و أما عواصف رملية، إذا هدأت عاد إلى الصحراء هدوؤها المعهود.

ومناخ جزيرة العرب - على الهموم - حار شديد الحرارة، جاف، إلا على السواحل، ولا سيما في التهائم، فإن الرطوبة تكون عالية فيها، ولهذا يتضايق الناس من أثر الحر فيهم، مع إن الحرارة ذاتها فيها لا تكون عالية كثيرا، و إنما مبعث هذا التضايق هو من الرطوبة المصحوبة بالحرارة، ولهذا صار بعض مواضع التهائم من شر الأمكنة على وجه هذه الأرض.

ولهذا الجو الرطب الحار أثر في حالة الناس، في صحتهم وفي نشاطهم. فانتشرت الأمراض في الأماكن التي تكثر فيها السباخ والمستنقعات، وفتكت بالناس، وتكدس فيها الذباب وتجمعت الحشرات لملاءمة مثل هذه الأجواء لمعيشة هذه المخلوقات.

ولهذا السبب المذكور، عاشت في هذه الأرضين ونمت النباتات التي تألف المناطق الحارة الرطبة، والأعشاب التي تعيش على المستنقعات وفي الأرض الرطبة، من حشائش وقصب وأعشاب.

أما في الداخل، فإن الحرارة فيها تكون جافة، ولهذا فإنها لا تكون حديدة الطبع، على نحو حر السواحل. ويتلطف الجو في الليالي في النجاد، فيكون الليل رحمة للناس ينسيهم قسوة النهار وشدة حرارته، وفقر الحياة، لا، سيما إذا كمل القمر، وصار قرصاً يسحر الناظرين. فإن سحره يكون عاماً، يشمل الغني والفقير، ويبعث في النفوس الرقة والحنان، ويثير فيها عواطف الشجن المنبعثة من قسوة الحياة وشحها وفقر الأرض، فتأخذ النفوس الرقيقة في مناجاته بقيثارة بسيطة ذات ثقوب، ينفخ فيها لتخرج منها أصواتا تسع القمر فعل سحره في نفس الإنسان المعذب في النهار المحروم من طيب الحياة التي ينعم بها أهل الأرضين الآخرون، أو بآلات بسيطة أخرى صنعوها بأيديهم لتعبر أناملهم وأوتار آلاتهم الساذجة عن إحساسهم الحزين،ثم لا يكتفي أصحاب هذه النفوس الرقيقة في الغالب بإِرسال نغمات الحس العميق من آلة، بل يقرنون تلك النغمات الحزينة بنغمات بشرية تنطق بما في قلب الإنسان من حس وألم دفين، يوحيه إليه ألم الحرمان، ودغدغة النسيم العليل، وسحر القمر وتلألؤ مصابيح السماء. فتخرج نغمات شجية حزينة، تعاد وتكرر، لتسبح السماء على هذا الجمال الساحر، ولتفسر للسامع نوع الحياة في هذه البقاع التي وهبتها الطبيعة عاطفة عميقة، وسحراً فاتناً في الليل، وحرمتها خيرات الدنيا في أثناء النهار، ولتخبره بهذه النغمات المعادة إن الحياة هنا بسيطة لا تعقيد فيها ولا التواء وأنبا معدودة محدودة، وعودة وتكرار.

وقد يعجب الغريب من تغزل العرب ب "ريح الصبا"، ومن مسحهم لها إلى حد يبلغ الإفراط، فليس في أشعار العالم، ولا في نثرهم، شعر أو نثر فيه هذا القدر من التغزل بريح من الرياح. وقد لا يفهم الغريب أي تعليل يقدم إليه ولا يقبله، وخير جواب يقدم إليه هو حضوره بنفسه إلى جزيرة العرب للاستمتاع بلذة "الصبا" في ليلة مقمرة من ليالي الجزيرة، وسيعرف عندئذ سحر دلال "الصبا" وسحر تغزل العرب بها، على عكس "السموم"، التي تشوي الوجوه، وتعمي العيون، فتجعل الشعراء يلعنونها، والناس يتذاكرون ثقلها وشدتها عليهم وما ألحقته بهم من مهالك وأضرار.

والمطر هو غوث ورحمة لسكان جزيرة العرب، يبعث الحياة للأرض، فتنبت العشب والكلا والكمأة والأزهار، ويحول وجهها العابس الكئيب إلى وجه مشرق ضحوك، فيفرح الناس وتفرح معهم ماشيتهم، ويخرج أهل الحضر إلى البادية للتمتع برؤية البساط الأخضر المطرز بالأزهار، وللاستمتاع بالمنظر الساحر الذي كسا الربيع به وجوه البوادي، ولصيد الغزلان والحيوانات الأخرى التي جاءت هي أيضاً من مآويها لتشارك الطبيعة في فرحتها، ولتشبع نفسها بعد جوع وعطش. وتفرح الإبل، ويدر لبنها، ويكثر نسلها، وتتضاعف بذلك ثروة أصحابها، ويسير الجمل متبختراً فخوراً بنفسه معتزاً، بطراً لا يقضم منها إلا ما يعتقد أنه طعام لذيذ له، يقضم من موضع ثم يتركه بطراً إلى موضع آخر، وقد كان قبل ذلك من جوعه يأكل كل ما يقع بصره عليه ويراه. أفليس من حق العرب أذن إن تسمي المطر "غيثاً" ? وأن تفزع وتتوجع من انحباسه، وأن تفزع إلى آلهتها تتوسل إليها لإرسال سحب المطر إليها، وتتقرب إليها بالدعاء وبصلوات "الاستسقاء" و "الاستمطار"، لترسل إليها غيثاً يغيثها ويفرج كربتها يدرأ عنها مصيبة تنزل بها إن انحبس المطر ? لذلك كان انحباس "الغيث" عنه العرب كارثة يتألم منها النإس، ويكابد من فداحتها الحيوان.

والجفاف هو الصفة الغالبة على جوّ جزيرة العرب، فالأمطار قليلة والرطوبة منخفضة في الداخل إلا التهاثم والسواحل، فإنها تنتفع فيها كما ذكرنا. ولكن الطبيعة رأفت بحال بعض المناطق، فجعلت لها مواسم تنزل فيها الغيث، لإغاثة كل حي، وأهمها اليمن. أما عمان، فينزل فيها مقدار منه، ينفع الناس ويعينهم على تصريف أمورهم. و أما باقي الأقسام، فإن أكثرها حظوة ونصيبا من المطر، هي النفوذ الشمالي، وجبل شمر، فتنزل بها الأمطار في الشتاء، فتنبت أعشاب الربيع. و أما الصحارى الجنوبية فلا يصبها من المطر إلا رذاذ، وقد تبخل الطبيعة عليها حتى بهذا الرذاذ.

وينهمر المطر أحياناً من السماء وكأنه أفواه قرب قد تفتحت، فيكوّن سيولاً عارمة جارفة تكتسح كل ما تراه أمامها، وتسبل إلى الأودية فتحولها إلى أنهار سريعة الجريان. وقد لاقت "مكة" من السيول مصاعب كثيرة، وكذلك المدينة والمواضع الأخرى وقد يهلك فيها خلق من الناس، وتسيل مياه السيول إلى مسافات هي تصب في البحر، وقد تبتلعها الرمال فتغوص فيها وتجري في باطن الأرض مكونة مجاري جوفية، تقترب وتبتعد عن قشرة الأرض على حسب قربها أو بعدها منها، وعلى حسب قرارة المكان الذي تسيل عليه. وقد تبلغ البحر فتدفق عيوناً في قاعه، كالذي نشاهده في الخليد بين الساحل والبحرين. وقد استفاد أهل اليمن بصورة خاصة وأهل حضرموت والحجاز من السيول بأن بنوا سدوداً للسيطرة عليها، ولحبسها إلى حين الحاجة. وسد "مأرب" الشهر هو خير تلك السدود شهرة وصيتاً، وقد غذى بإكسير الحياة مساحات واسعة من أرض سبأ. وقد وجد السياح آثار سدود قديمة في نواحي من الحجاز وتجد والعربية الجنوبية تعود إلى ما قبل الإسلام، بنيت في مواضع ممتازة تصلح جيدا لمنع السيول من الذهاب عبثا، حتى إن المهندسين المحدثين رأوا انشاء سدود جديدة في هذه الامكنة للاستفادة من مياه السيول لإحياء ارضين موات في الزمان الحاضر، يمكن قلبها إلى زارع وجنان حضر.

إن ارض اليمن التي صادقتها الطبيعة قأحسنت اليها ووهبتها تحسدها المناطق الاخرى عليها، وهبتها امطارا موسمية ووهبتها جوا حاراً رطبا في تهامة اليمن، معتدلا في المرتفعات، وجوا لطيفا في الجبال، ووهبتها نباتات كثيرة تنايب تنوع هوائها وحيوانات عديدة كثيرة، ومعادن متنوعة، هي % أرض ذات حظ كذلك بعدد سكانها، فإنها حتى اليوم من أكثف مناطق جزيرة العرب وأكثرها سكانا. وسكانها ثروة مهجة ومصنع غذى بلاد العرب والبلاد الإسلامية بموجات من القبائل، نشرت الإسلام والثقافة العربية في البلاد المفتوحة، كما أنه موّن العراق وبلاد الشام في الجاهلية بقبائل، استوطنت هناك، فكوّنت حكومات مثل حكومة الحيرة وحكومة الغساسنة، ونسب المناذرة ونسب الغساسنة يرجع إلى اليمن. ولا تزال اليمن تقذف بالألوف من أبنائها كل عام، تقذف بهم في شتى الأنحاء إلى سواحل إفريقية المقابلة، حتى بلغ بعضهم الولايات المتحدة وإنكلترة، فكونوا فيها جاليات يمانية. ويعيش اليوم زْهاء مليون يماني خارج اليمن، هاجروا من بلادهم لظروف مختلفة لا مجال للبحث فيها في هذا المكان. وقد سبقهم أجدادهم قبل الإسلام، فطفروا حدود جزيرة العرب وذهبوا إلى مصر والى بعض جزر اليونان.

ويعد سكان "الجبل الأخضر" سعداء حقاً بالقياس إلى سكان جزيرة العرب الساكنين في العربية الشرقية أو في البوادي الواقعة في جنوب المملكة العربية السعودية، فإن الغيوم المثقلة بالأبخرة تصطدم بمرتفعات هذا الجبل فتضطر إلى تفريغ شحنتها عليه. وهذا توافرت المياه فيها، فاستغلها السكان وزرعوا عليها. وصارت الأودية من مواطن الحضارة القديمة التي تعود إلى ما قبل الإسلام بزمان طويل، كما صارت سفوح الجبال والمرتفعات موارد رزق للزراع، يستهلكون من الحاصل ما يحتاجون إليه، ويصدرون الباقي لمن يحتاج إليه من أهل بقبة جزيرة العرب. وما زال أهل البلاد يزرعون على سنة آبائهم وأجدادهم الأقدمين. وقد شاهد السياح آثار سدود في هذه المناطق شيدها الأقدمون للتحكم في الأمطار التي تسقط بغزارة وتجري سيولاً.

وفي مثل هشه الأمكنة نجد كتابات دونها أصحابها شكراٌ لآلهتهم على إنعامها عليهم بالغلة الوافرة وبالحصاد الغزير،أو لانعامها عليهم بأرض حصبة ولمساعدتها أباهم على حفر بئر زودتهم بماء للسقي وللزرع، ووجود هذه الكتابات دليل ناطق على وجود الحضارة فيها في تلك الأيام.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق