504
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والثلاثون
مملكة النبط
لقد عثر كل كتابات مدوّنة بالنبطية وعلى كتابات مدونة بثلاث لغات هي النبطية والإرمية واليونانية، بعضها من بعد ضم مملكة النبط إلى "الكورة العربية"، أي بعد سقوطها في ايدي الرومان، وقد تبين منها أن النبط بقوا أمداً يكتبون ويدوّ نون بلغتهم، وان كانوا يستعملون معها اليونانية أو الإرمية أو كلتا اللغتين في بعض الأحيان، كما تبين أن اليهود دوّ نوا بالنبطية أيضاً، أولئك اليهود الذين كانوا على اتصال بالنبط، وكانت لهم صلات تجارية بهم. وقد دونوا بهذه اللغة حتى بعد سقوط دولة النبط. وقد وصلت كتابات أصحابها يهود فيها عقود بيع وشراء مع النبط، كما وصلت كتابات نجد فيها خلاصات من عقودومكاتبات دوّ نت باليونانية أو بالإرمية، على حين دوّنت الخلاصات بالنبطية وبالعكس. ولا نعرف شيئاً يذكر عن أصول تنظيم الدولة وكيفيتها عند النبط. والملك بالطبع هو رئيس الدولة والشخص الوحيد الأعلى للحكومة. وهو الذى يختار من يوكل اليهم ادارة الأعمال وتسييرأمور الرعية وللملك حاشية القربة عنده، وكل اليها النظر في المسائل العليا للدولة وتقديم الاستشارة إلى الملك، ويقال للواحد منها "اخ ملكا"، أي "أخو الملك". ويظهر انها كانت طبقة خاصة من الطبقات الإرستقراطية انحصرت فيها هذه الوظائف انحصار الملكية في الأسر المالكة.
ومما يلاحظ على النبط إن ملوكهم كانوا ينعتون أنفسهم بنعوت لا نجدهسا في الكتابات العربية الأخرى، فجملة: "ملك رحم عمه"، أي "الملك الرحيم بشعبه"، أو "الملك المحب لشعبه" لا تجدلها مثيلاً في الكتابات الأخرى من كتابات ما قبل الإسلام. لكنهم لم يتركوا الجمل التي تنعتهم أيضاً ب "ملوك النبط"، اذ نجدهم يكتبون بعد اسمهم: "ملك ملك نبطو"، أي "الملك: ملك النبط".
ويلاحظ انه قد كان للمرأة منزلة رفيعة عند النبط، بدليل ما نجده في كتاباتهم وفي نقودهم من ذكر اسم الملكات مع الملوك. فقد كان من عادتهم ورسومهم ذكر الملكات مع الملوك رسمياً، فقد ورد مثلاً: "شقيلت أخته،ملكت نبطو". أي "شقيلة أخته، ملكة النبط". وورد: "شقيلت امه، ملكت نبطو، أي: "شقيلة أمه: ملكة النبط"، وهكذا. ونجد النقود النبطية وقد أشارت إلى اسم الملك الذي أمر بضرب ذلك النقد، كما نجد اسم زوجته أو أمه معه. وقد ضربت صورة رأس الملك ورأس الملكة معه في النقود المضروبة باليونانية. وبالرغم من ظفر العلماء بنقود نبطية ويونانية، لم يتمكنوا حتى الآن من الاتفاق على تثبيت أسماء ملوك النبط تثبيتاً زمنياً، ولم يتمكنوا أيضاً من تعيين سنة حكم كل واحد منهم ويظهر أن النبط كانوا مولعين بالشراب وبالخمور، ونجد لصور الكروم مكانة بارزة في فن النحت والنقش عندهم. وقد أظهروا براعة فائقة في حفرصور الكروم وعناقيدها على الألواح، كما يظهر ذلك من آثارهم التي درسها الباحثون في النبطيات.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق