462
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثالث و الثلاثون
ساسانيون و بيزنطيون
وصار يشعر انه ملك الدنيا، فلما أرسل إليه "أذينة" رسالة مع هدايا تحملها قافلة كبيرة من الجمال، وصلت إليه في أثناء عودته منتصراً، تملكه العجب من تجاسر "أذينة" على مخاطبته بلهجة ليس فيها كثير من التعظيم والتفخيم والاحترام، و هو "ملك الملوك" و "أذينة" رئيس موضع في البادية، فأخذته العزة وأمر برمي هداياه في "الفرات" قائلاً: "ومن هو أذينة Odenathus هذا? ومن أي ارض هو حتى يوجه هذه الرسالة إلى سيده فليأت حالاً إذا أراد إن يخفف من العقاب الذي سينزل به، و ليسجد أمامي بعد إن توثق يداه إلى ظهره!". فلما سمع "أذينة" بهذه الإهانة، جمع ما عنده من قوة، وأسرع فباغت الساسانيين مباغتة أفزعتهم، فوقع الرعب فيهم، حتى تركوا له اكثر ما حصلوا عليه من غنائم من حربهم مع الرومان، وفقدوا بعض زوجات الملك، إذ وقعن أسرى في أيدي قوات "أذينة"، ولم يكتف ملك "تدمر" بهذا الانتقام، بل أسرع في سنة "263 م". فهاجم الجزيرة، فانتصر على "سابور"، ثم حاصر عاصمته "طيفسون" .
و.قد استمر الساسانيون في محاربة "أذينة" رجاء التغلب عليه والانتقام منه إلى سنة "265 م" من غير جدوى، إذ قتل "أذينة" دون إن يتمكن "سابور" من أخذ الثأر منه.
ولما تغير الزمن، واتبعت "الزباء،" سياسة معادية للرومان، و حاصرها "أورليان" Aurelian، اتصلت بالساسانيين رجاء الحصول منهم على مساعدة عسكرية، لتتخلص بها منهم، إلا أن الملك "بهرام" لم ينجدها، فسقطت أسيرة في أيدي الرومان سنة "272 م"، واخذ نجم المدينة المهمة التي اتخذها "هادريان" Hadrian قاعدة عسكرية لحماية حدود بلاد الشام من المغيرين، في الأفول منذ ذلك الحين. وكان تقاعس "بهرام" عن مساعدة "الزباء" من ضعف سياسة ذلك الملك، إذ لم يكن ذا همة في إدارة الملك.
ولا نعلم شيئاً يذكر بعدئذ عن صلات الفرس الساسانيين بالعرب منذ عهد "بهرام الأول" إلى عهد "سابور الثاني" "310 - 379 م"، فالموارد صامتة لا تتحدث عنها بأي حديث، إلى عهد هذا الملك، و إنما هي تتحدث عن غارات قاسية أغارها هذا الملك على العرب في المنطقة العربية من إيران وفي الخليج العربي و في العراق.
ويحدثنا "المسعودي"، أن "سابور بن هرمز" المعروف ب "سابور ذي الأكتاف" "310 - 379 م"، كان قد أوقع في العرب موقعة عظيمة، وذلك لأن القبائل العربية وفي طليعتها قبيلة "إياد"، كانت غلبت على سواد العراق، وأطبقت على البلاد، ولذلك قيل لها "طبق" في أيام ملكها "الحارث ابن الأغر الإيادي"، و كانت تصيف بالجزيرة وتشتو بالعراق، فلما كبر "سابور" واخذ أمور الملك بيده من مستشاريه ووزرائه، إذ جاء الملك إليه بوفاة أبيه وكان في بطن أمه - أراد الانتقام من إياد، و إخضاعها للساسانيين، كما كانت من قبل، فأرسل سراياه نحوها، وكان في حبسه رجل من إياد، اسمه "لقيط"، سمع بعزم سابور فأرسل إليها شعراً ينذرها به، ولكنها لم تحفل بإنذاره، ففاجأتها جيوشه، وأوقعت بهم، فما أفلت منهم إلا نفر لحقوا بأرض الروم، وخلع بعد ذلك أكتاف العرب، فسمي سابور ذا الأكتاف.
ويفهم من البيت الأول من شعر لقيط، وهو قوله: سلام في الصحيفة من لَقِـيط على من في الجزيرة من إياد
أن إياداً كانت قد استبدت في أرض الجزيرة، وعصت الفرس هناك وكانت قد استوطنت منذ أمد فيها، ولذلك حذرها "كسرى".
و إذا كان هذا البيت الذي نسب إلى "علي بن أبي طالب": لقريب من الهلاك كما أه لك سابور بالسـواد إيادا
حقا و صحيحاً، فإن قوله هذا يكون أقدم مورد جاء فيه خبر إيقاع "سابور" بإياد.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق