226
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث السابع:جهود صلاح الدين الأيوبي في توحيد الجبهة الإسلامية:
ثانياً:ضُّم حلب:
2-الحصار الثاني للموصل:
ما لبثت الأحداث التي استجدت في الموصل أن فرضت على صلاح الدين التدخل مرة أخرى في شؤونها، ففي شهر جمادي الأولى عام 579ه/شهر أيلول عام 1183م استمع عز الدين مسعود الأول إلى وشاية بعض كبار أمرائه ضد نائبه مجاهد الدين قايماز ممن تربطهم به عداوة مستحكمة، فقبض عليه، وسجنه وصادر أمواله، وكانت إربل، وجزيرة ابن عمر وشهرزور ( ) ، ودقوقاً ( ) ، وقلعة عقر الحميدية، تحت حكم قايماز، وبها نواب يحكمون باسمه فلما قُبض عليه، وشقَّ هؤلاء الأمراء عصا الطاعة، وأرسل كل من زين الدين يوسف، صاحب إربل ومعز الدين سنجر شاه، صاحب جزيرة ابن عمر، رسالة ولاء إلى صلاح الدين، وأضحت هاتان المدينتان تابعتين له. وبهذا التصرف اللا مسؤول، ساهم عز الدين مسعود الأول في إضعاف موقفه، أمام صلاح الدين، فمال إلى السياسة فأرسل القاضي بهاء الدين بن شداد إلى الخليفة العباسي في شهر شوال 579ه/شهر كانون الثاني 1184م، يطلب منه التوسط من جديد في الصلح بينه وبين صلاح الدين استجاب الخليفة إلى طلبه، وأرسل شيخ الشيوخ، وبشير الخادم إلى دمشق للتفاوض مع صلاح الدين لحل المشاكل القائمة بينه وبين صاحب الموصل، وانضم إليهما محي الدين الشهرزوري ممثلاً عن صاحب الموصل ومعه القاضي ابن شداد ( ) تعثَّرت المفاوضات ثم توقفت، لأن صلاح الدين اشترط أن يكون لأميري إربل وجزيرة ابن عمر، حرية الاختيار في الانضمام إليه أو إلى صاحب الموصل وهذا ما رفضه ممثل عز الدين مسعود الأول الذي تمسك بتبعيتهما لصاحب الموصل، وأصَّر على ذكر اسميهما في نسخة الصلح: ورجعت الرسل بغير ظفر بطائل ( ) ، أدرك عز الدين مسعود الأول، الذي أوقع نفسه في هذا المأزق، بحرج موقفه وندم على ما بدر منه بحق نائبه، فتدارك الأمر، وأخرجه من السجن، وأعاده إليه نفوذه السابق ( ) . خرج مجاهد الدين قايماز من السجن في الوقت الذي شهدت فيه الموصل تراجعاً في قوتها، وانهياراً في معنويات حكامها، فعمل على إعادة القوة إلى أجهزة الدولة بما فيها الجيش، وطلب مساعدة من القوى المجاورة، ونجحت مساعيه في استقطاب قزل، صاحب أذربيجان، فأمده بثلاثة آلاف جندي ( ) ، وبعد أن وثق بقدرته على التحرك، قّرر إعادة المدن التي خسرتها الأتابكية، فهاجم إربل، لكنه فشل في اقتحامها ( ) ولم يكن صلاح الدين بغافل عما يجري من أحداث، فعزم على التدخل لصالح حليفه زين الدين يوسف، صاحب إربل، والتوجه بعد ذلك إلى الموصل لانتزاعها من يد عز الدين مسعود الأول، الهدنة التي عقدها مع ريموند صاحب أنطاكية لمدة أربع سنوات، فكفل بذلك تأمين مؤخرة جيشه ( ) . ولم يلبث أن حشد قواته، وخرج على رأسها إلى حّران في شهر صفر عام 581ه/شهر أيار عام 1185م ونزل برأس العين، ثم رحل إلى دنيسر ( ) ، حيث انضم إليه عماد الدين بن قرا أرسلان الأرتقي ومع عساكر أخيه نور الدين محمد، صاحب حصن كيفا وآمد وساروا جميعاً إلى نصيبين حيث وافاهم فيها معز الدين سنجر شاه بن سيف الدين غازي الأول صاحب جزيرة ابن عمر ( ) وتابع صلاح الدين زحفه باتجاه الموصل، ونزل بالإسماعيليات الواقعة بالقرب منها، في شهر ربيع الأول 581ه/شهر حزيران 1185م .
وتدعيمها لمواقفه أرسل رسالة إلى الخليفة العباسي يخبره بعزمه على تصفية أموره في الموصل، وأشار إلى أن أهلها يخطبون باسم طغرل السلجوقي سلطان العجم، المعادي للخليفة، ويضربون السكة باسمه، كما أنهم يراسلون الصليبيين، ويحَّرضونهم على مهاجمة بلاد المسلمين وأنه لم يأت رغبة في توسيع ملكه أو التخلص من البيت الزنكي، وإنما قصد أن يردهم إلى طاعة الخليفة، ونصرة الإسلام ومنعهم من ارتكاب الظلم واتتهاك الحرمات، وقطع صلتهم بسلاجقة العجم، وإلزامهم بما يجب عليهم من حفظ الجار وصلة الرحم ( ). كان الضغط شديداً على عز الدين مسعود الأول، الذي أسقط في يده، فمال إلى المهادنة وأرسل إليه وفداً ضَّم دولته وإبنة عمه نور الدين الدين محمود وغيرهما من النساء، وجماعة من أعيان الدولة لطلب الصلح والكفَّ عن حصار الموصل وكان رأي صلاح الدين قبول الصلح لولا اعتراض الفقيه عيسى الهكاري والأمير على بن أحمد المشطوب، اللذين حذّراه من الإقدام على قبول الصلح وقالاً له : مثل الموصل لا يترك لإمرأة، فإن عز الدين مسعود ما أرسلهن إلا وقد عجز عن حفظ البلد ( ) ، فاقتنع برايهما، واعتذر لوفد الموصل، ومضى يحاصر المدينة لكن اعتراضته عدة صعوبات، اضطرته إلى فكَّ الحصار عن الموصل لعل أهمها :-
-كان أهل الموصل يخرجون من الجانب الشرقي، وفيقاتلون القوات الأيوبية ويعودون إلى داخل المدينة، مما ضايق صلاح الدين.
-لقد حصَّن قايماز البلد بالاستحكامات، وأصلح أوضاع الجيش، ليتمكّن من التصدي للهجمات الأيوبية، فاستبسل أفراده في الدفاع.
-حدث حصار الموصل في فصل الصيف حيث درجة الحرارة مرتفعة والحر شديد، فأمر صلاح الدين بوقف المناوشات العسكرية إلى أن يزول الحر.
-وصادف آنذاك أن خفت مياه نهر دجلة، فأشار المهندسون على صلاح الدين بتحويل مجرى النهر بعيداً عن الموصل، لقطع الماء عن أهلها فيصيبهم العطش ويضطرون إلى الاستسلام. لكن صلاح الدين رأى أن هذا المشروع قد يستغرق وقتاً طويلاً لا يتوفر له، ويأخذ مجهوداً شاقاً قد ينُهك الجيش.
-حدث أثناء الحصار، أن توفي كل من شاه أرمن، صاحب خلاط دون أن يترك ولداً يخلفه في الحكم، ونور الدين محمد، صاحب آمد وحصن كيفا ( ) ، فأراد صلاح الدين أن يرتَّب أوضاع الإمارات الأرتقية بشكل يخدم أهدافه ( ) .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق