218
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث السابع:جهود صلاح الدين الأيوبي في توحيد الجبهة الإسلامية:
أولاً:ضم دمشق :
3-مهاجمة حلب:
تولى الملك الصالح إسماعيل الحكم بعد وفاة والده ولما كان صغيراً لا يفقه تدبير شؤون الحكم، لذلك كان وجوده على رأس السلطة اسمياً فقط، بينما تمكن أعوانه من التلاعب بمقدرات الدولة ونقلوا مركز الحكم من دمشق إلى حلب ( ) ومن حلب، بدأ كمشتكين، الوصي على الملك الصالح والمتفرد بحكم المدينة تنفيذ سياسية خاصة تقضي بتثبيت نفوذه، فاعتقل ابن الدايه وراح يخطط لإبعاد صلاح الدين عن حلب بكل الوسائل فعندما تقدم صلاح الدين إلى حلب، بعث إليه كمشتكين كتـاباً، اتهمه فيه بحبه للغزو والسيطرة على أملاك سيده نور الدين محمود وابنه الملك الصالح ( ) . والواقع أن صلاح الدين وقف على نوايا كمشتكين وغاياته، فكان يراسل الملك الصالح لتوضيح الأمر له وإبداء النصح منعاً لتردي العلاقات بينهما ( ) ، ويبدو أن الملك الصالح لم يكن راضياً عن تصرفات أمرائه إلا أنه كان ضعيفاً لا يستطيع إبعادهم من حوله، كما كان سريع التأثر بهم نظراً لصغر سنه، وليس أدل على ضعف الملك الصالح وتلاعب كمشتكين بمقدراته أنه على الرغم من معارضته لاعتقال عز الدين جورديك، أمير حماة ورسول صلاح الدين إليه لعقد صلح بين الطرفين، إلا أن كمشتكين لم يأبه لهذه المعارضة، فقبض على جورديك وأثقله بالحديد وعذّبه ووضعه في الجب الذي وضع فيه أولاد ابن الداية ( ) ، ولذلك كان من الطبيعي أن يتوجه صلاح الدين إلى حلب لإنقاذ رسوله والملك الصالح من قبضة كمشتكين وضَّم حلب إلى أملاكه، ونظراً لأهميتها في مخططه القاضي بتوحيد القوى الإسلامية أغلق كمشتكين أبواب حلب في وجه صلاح الدين الذي شرع في 3 جمادي الآخرة عام 570ه/30كانون الأول عام 1174م في حصارها ( ) . وكان أهلها يميلون إلى الإذعان له باستثناء الشيعة فيها. وناشدهم الملك الصالح أن يحافظوا عليه من رجل يريد أن يسلبه إرثه، فاشترطو لمؤازرته أن :
-يخَّصص الجانب الشرقي من الجامع لهم.
-يُعاد الأذان بـ "حي على خير العمل" وأن يُذكر ذلك في الأسواق.
-يُذكر أسماء الأئمة الاثني عشر بين يدي الجنائز.
-يكبَّر على الجنازة خمساً.
-تكون عقود نكاحهم إلى أبي طاهر الحسيني .
وافق الصالح إسماعيل على طلبهم بتأثير من كمشتكين ( ) حدث هذا في الوقت الذي لجأ فيه كمشتكين إلى الاستعانة بالحشيشة والصليبيين، لإبعاد صلاح الدين عن أسوار حلب استجاب سنان زعيم الشيعة الباطنية الإسماعيلية وبعث بجماعة من الفدائيين في جمادي الآخرة 570ه/كانون الثاني 1175م لقتل صلاح الدين متنكرين بزي الجند، فتمكن بعضهم من التسلل إلى خيمته وأوشكوا على تنفيذ مؤامرتهم ولكن انكشف أمرهم ونجا صلاح الدين من محاولة الاغتيال ( ) وبعد أن فشل الشيعة الإسماعيلية في اغتيال صلاح الدين أرسل كمشتكين إلى ريموند الثالث أمير طرابلس، والوصي على عرش مملكة بيت المقدس، أن يحدَّ من تعاضم قوة صلاح الدين، إذ لم يكن يوسع الصليبيين أن يمنعوا وحدة دمشق والقاهرة، غير أن حلب ما زالت على الأقل خارجة عن الاتحاد وهكذا أدرك الصليبيون أن استقلال حلب وبقاءها في يد البيت الزنكي هو الضمان الوحيد لمنع قيام وحدة إسلامية تمتد من النيل إلى الفرات، وقد توافقت مصالحهم مع مصالح الزنكيين في هذا الشأن ( ) وحاول ريموند الثالث الالتجاء إلى الوسائل السياسية فأرسل إلى صلاح الدين يرغبَّه في الصلح ويلَّوح له بأن : الفرنج قد تعاضدوا وصاروا يداً واحدة. ولكن صلاح الدين لم يخشَ التهديد، وردَّ على ريموند الثالث بالإغارة على أعمال أنطاكية ( ) . عندئذ لم يجد الحاكم الصليبي وسيلة لإبعاد صلاح الدين عن حلب سوى مهاجمة حمص، فظهر أمامها وشرع يهاجم أسوارها، تسانده الحامية، المرابطة في القلعة التي ظلت على وفائها للزنكيين وفعلاً اضطر صلاح الدين إلى رفع الحصار عن حلب وارتحل عن أسوارها لإنقاذ حمـص غير أن ريموند الثالث لم يمكث ليلتقي به فعاد إلى حصن الأكراد بعد أن تأكد من تحقيق غرضه ( ) .
ولما أطمأن صلاح الدين على سلامة حمص، غادرها متوجهاً إلى بعلبك وضمَّها إلى أملاكه في (4رمضان 570ه/30 آذار 1175م ( ) . كان أمراء حلب يعرفون أن صلاح الدين أقوى منهم مادياً ومعنوياً، فقد أخطؤوا بالتخطيط للتعامل معه، واعتمدوا على إمكان إثارة ثلاث قوى معهم ضده: الموصل، والفرنج، والإسماعيلية؛ ولذلك أرسلوا رسولاً هو قطب الدين ينال بن حسان المنجي برسالة تبرق وترعد، ومع أن صلاح الدين استقبل الرسول بنفسه بالترحاب ثلاثة أيام؛ إلا أنه أدَّى الرسالة في النهاية قائلاً: إن السيوف التي ملكَّتك مصر ما تزال في أيدينا والرماح التي حويت بها قصور الفاطميين على أكتافنا والرجال التي ردّت عنك تلك العساكر؛ هي تردًُّك، وعمّا تصديت له تصَّدك فقد تعديت طورك وجاوزت حدك، وأنت أحد غلمان نور الدين، وممن يجب عليه حفظه في ولده ( ) ولم يُجبْه صلاح الدين على هذا كله، بل ضرب عنه صفحاً وَتغاضياً، وخاطبه بكلام رقيق؛ وقال: يا هذا أعلم أني وصلت إلى الشام لجمع كلمة الإسلام وحياطة الجمهور، وسد الثغور، وتربية ولد نور الدين، وكف عادية المعتدين؛ فقال ابن حسان : إنك إنما وردت لأخد الملك لنفسك، ونحن لا نطاوعك على ذلك. ودون ما ترومه خرط القتاد، وإيتام الأولاد؛ فتبسم صلاح الدين وأوما لرجال بإقامته من بين يديه، وتماسك بعد أن كان يسطو عليه؛ وقال له: والله ما جئت إلا لأستنقذ هذا الملك الصالح من يد أمثالك، فأنتم سبب زوال دولته عليه ( ).
لقد رفض كمشتكين الإنقياد لصلاح الدين وبذل ما في وسعه للتصدي له ومن العمليات الذكية التي استخدمها كمشتكين ضد صلاح الدين :
-لعب على الخلاف الطائفي وفاوض الفريق الشيعي في البلد، وتملقَّهم، فانشترطوا عليه أمور تّم ذكرها مما كان نور الدين قد منعه من قبل فسمح لهم بكل ذلك ليدافعوا عنه ( ) .
-لعب بعواطف الجمهور، فجمع الناس وكان فيهم الشيعة بالطبع وأخرج إليهم الملك الصالح الصبي، فخطب فيهم بما وضعه كمشتكين على لسانه : يا أهل حلب أنا ربيبكم ونزيلكم واللاجئ إليكم، كبيركم عندي بمنزلة الأب وشابُّكم عندي بمنزلة الأخ، وصغيركم عندي يحل محل الولد... ثم خنقته العبرة وعلا نشيجه، فافتتن الناس وصاحوا صيحة واحدة، ورموا بعمائمهم وضجُّوا بالبكاء والعويل؛ وقالوا: نحن عبيدك وعبيد أبيك، نقاتل بين يديك ونبذل أموالنا وأنفسنا لك وأقبلوا على الدعاء له والترحم على أبيه ( ) . ولم يستطع الحلف الحلبي، والموصلي والإسماعيلي والفرنجي التصدي لمشروع صلاح الدين التوحيدي ولم يحل شهر نيسان حتى أضحى صلاح الدين يبسط سلطانه على كامل بلاد الشام حتى حماة شمالاً، فانصرف بعد ذلك على العمل على إضفاء الشرعية على وضعه أمام المسلمين وقد بينّا خطابه إلى الخليفة العباسي المستضيء بأمر الله ورسالته الطويلة بقلم القاضي الفاضل والتي عدد فيها فتوحاته وجهاده ضد الصليبيين لخدمة الخلافة العباسية وبخاصة إعادته الخطبة إلى العباسيين في مصر، وتأمين الطريق إلى الحجاز واليمن، ثم أشار في رسالته، بأنه قدم إلى بلاد الشام لإصلاح الأمور، وحفظ الثغور وخدمة ابن نور الدين محمود، وطلب في ختامها تقليداً بمصر واليمن والمغـرب وبلاد الشام، وجميع ما اشتملت عليه دولة نور الدين محمود، وكل ما يفتحه بسيفه ( ).
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق