212
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث السادس:النظم العسكرية في عهد صلاح الدين:
الحادي عشر:البحرية الأيوبية:
2-أهم إصلاحات صلاح الدين البحرية:
من أجل إحياء البحرية في مصر قام صلاح الدين بجملة من الإصلاحات وهي:
أ- جعل غابات مصر ملكاً للدولة :
ولاسيما غابات مناطق "بهنسا وسفط وأشمونين وأسيوط وأخميم وقوص" وكانت قيمة العود الواحد تبلغ مائة دينار حسب قول المقريزي ( ) ، ولم يسمح بموجب هذا القرار لأحد بالتصرف بالأشجار، وذلك للانتفاع بأخشابها وقد ظل هذا المبدأ معمولاً به إلى أواخر الدولة الأيوبية في مصر، على الرغم مما أصاب الأسطول من إهمال. وبهذا الصدد ذكر عثمان إبراهيم النابلسي المعاصر للدولة الأيوبية في مصر: أن الحراج – الغابات – حكمها حكم المعادن وهي لبيت مال المسلمين، مالأحد فيها ملك ولا اختصاص ( ) وصار مفعول هذا القانون يسري على المواد الضرورية التي تستوردها الدولة من الخارج أيضاً، لاسيما الحديد والخشب الضروريات لقيام صناعة السفن، فمما يذكر أن الدولة الأيوبية كانت لها صلات ومعاهدات تجارية مع جمهوريات المدن الإيطالية، حصلت بموجبها على حاجتها من هاتين المادتين ( ) . ومما يؤكد سريان القانون المذكور على هذه المواد، ما يقوله المؤرخ النابلسي المصري المذكور في أن كل خشب وحديد ورصاص .. وغير ذلك من الأصناف التي ترد إلى الديار المصرية عن طريق البحر وإنما يبتاعه الديوان بكسب يسير، وذلك لصنع الشواني "سفن" وغيرها من المراكب والعمارات وخزائن السلاح ( ) وكان في الإسكندرية ديوان سمي بالمتجر السلطاني عمله شراء البضائع المستوردة التي تحتاجها الدولة للأغراض العسكرية، لاسيما في بناء السفن، وكان المشرفون على المتجر يشترون هذه البضائع بأموال الخمس التي تفرض على التجار وقد استفاد صلاح الدين في بناء أسطوله، إضافة إلى ما ذكرناه، من أخشاب الصنوبر والأرز التي تنبت في غابات لبنان، وكذلك من معدن الحديد الذي كان يستخرج من جبال لبنان بالقرب من بيروت ( ) ، وإذا صح هذا، فإن ذلك حصل بعد أن عادت تلك المناطق إلى المسلمين، أي بعد سنة 583ه/1187م.
ب-أفرد صلاح الدين ديواناً خاصاً للأسطول:
عرف بديوان الأسطول وخصص للصرف عليه خراج الفيوم وأعمالها وخراج البرين الشرقي والغربي، ويضم البر الشرقي نواحي بهتين والأميرية والمنيا، والبر الغربي يضم ناحية سفط ونهيا ووسيم والبساتين خارج القاهرة، وكذلك خصيص حصيلة النطرون التي بلغ مقدار ضمانها يؤمئذ ثمانية الآف دينار في السنة مضافاً إلى ذلك ما يحصل عليه من مال الزكاة في مصر، والذي بلغ أكثر من خمسين ألف دينار، إلى جانب أجرة المراكب الديوانية "الحكومية" ( ) .
ج-اهتم صلاح الدين برفع المستوى المعاشي لرجال البحرية والعاملين في صناعة السفن وملحقاتها لتحسين أوضاعهم وتشجيع الناس على الالتحاق بصفوف البحرية والعمل في الأسطول، وتقرر أن يكون دينار الأسطول نصف وربع الدينار (3/4 الدينار) بعد أن كان نصف وثمن الدينار (5/8) أي بزيادة (17.5%) من قيمة الدينار السابق ( ) .
س- عين صلاح الدين شخصيات عسكرية هامة على رأس الأسطول فعلى الرغم من أن المصادر لا تشير إلى أسماء الذين عملوا في إدارة شؤون البحرية الأيوبية في السنوات الأولى من تاريخ الدولة الأيوبية، سوى اسم القائد البارز حسام الدين لؤلؤ الذي اشتهر في حادث الرد على عدوان أرناط، الذي تحدثنا عنه وكذلك أسماء قادة السفن من أمثال يعقوب الحلبي وجمال الدين محمد بن أرككز، وبدران الفارسي، ومحمد بن إسحاق وعبد السلام المغربي وغيرهم، إلا أن تعيين أخيه الملك العادل مسؤولاً عاماً لمؤسسة البحرية في السنوات المتأخرة، ليدل دلالة قاطعة على مدى اهتمام صلاح الدين بديوان الأسطول، وحين تسلم الملك العادل عمله : أقام في مباشرته وعمالته صفي الدين عبد الله بن علي بن شكر ( ) .
أي أن العادل عين صفي الدين ليكون نائبه في الإشراف على إدارة الأسطول وقد منح صلاح الدين صاحب الأسطول صلاحيات واسعة لتنفيذ المهمات الخاصة بالبحرية، فبعد أن أتم صلاح الدين إعداد الأسطول سنة 572ه/1176م كتب إلى سائر البلاد يقول : القول قول صاحب الأسطول، وأن لا يمنع من أخذه رجاله وما يحتاج إليه، وأمر صاحب الأسطول ألا يبارح البحر ( ) .
ش-اهتم صلاح الدين كثيراً بتحصين ثغور مصر، وقرر القيام بعمليات واسعة في أوقات مختلفة لتعمير أبراجها وأسوارها، وحفر الخنادق حولها، وخصص لهذه المهمة مبالغ طائلة وعين عليها رجالاً أكفاء لتنفيذها مثل بهاء الدين قراقوش، الذي أوكلت إليه مهمة تجديد وبناء الكثير من المباني العسكرية وغيرها ( ) وكان صلاح الدين يقوم بزيارات تفقديه للإشراف على عمليات التحصين والبناء الجارية في الثغور المطلة على البحر المتوسط لاسيما الإسكندرية ودمياط وكذلك تنيس، فإثر عودته من رحلته الأولى إلى بلاد الشام خرج في شعبان 572ه/1176م ولداه الملك الأفضل علي والملك العزيز عثمان ومعهم العماد الكاتب المؤرخ المعروف وجعل طريقه على دمياط، ورأى في الحضور بالثغر ومشاهداته الاحتياط ( ) ، وفي سنة 577ه/1181م رتب صلاح الدين المقاتلة على البرجين الواقعين على طرفي المدينة من جانب البحر، وأمر بشد المراكب إلى السلسلة ليقاتل عليها المدافعون عنها، إذا استطاع العدو من الدخول بين البرجين وكذلك أمر في نفس السنة بترميم سور دمياط وسد الثلمات فيه، وفي وقت لاحق أمر صلاح الدين بحفر خندق دمياط، وعمل جسر عند سلسلة البرج بها ( ) ثم غادر دمياط إلى ثغر الإسكندرية "وشاهدنا كما يقول المؤرخ – ما استجده السلطان من السور الدائر، وما أبقاه من حسن الآثار والمآثر، وما انصرف حتى أمر بإتمام الثغور وتعمير الأسطول ( ) ، وكانت هذه هي الزيارة التفقدية الثانية التي قام بها إلى الإسكندرية وقام بزيارة ثالثة وأخيرة للإسكندرية في سنة 577ه/1181م لمشاهدة الأسوار التي جددها والعمارات التي مهدها وأمر بالاتمام والاهتمام ( ) ، ومن التحصينات التي تخذها صلاح الدين في الإسكندرية خلال هذه الزيارة أنه أمر فخر الدين قراجا بكسر أربعمائة عمود روماني كانت تحيط بعمود السواري، والقائها عند شاطئ البحر لمنع مراكب العدو من الوصول إلى مرساها، أو لكسر حدة الأمواج على سور الإسكندرية ( ) .
د-قام صلاح الدين بتشجيع الناس على الالتحاق بصفوف:
البحرية واستقدام العناصر الكفؤة من خارج مصر، وقد نجحت محاولته بسبب المغريات التي صار ديوان البحرية يوفرها لهم، أو يبث روح الجهاد في نفوس المسلمين وحثهم على التطوع وللعمل في الأسطول، حتى صار "خدام الأسطول يقال لهم المجاهدون في سبيل الله والغزاة في أعداء الله ويتبرك بدعائهم الناس ( ) . وقد ضرب صلاح الدين نفسه مثلاً رائعاً في الجهاد فقد ذكر مؤرخه ابن شداد الذي شاهد الكثير من أهوال البحر أن صلاح الدين التفت إليه ذات يوم في نهاية حوار دار بينهما وقال له : في نفسي أنه متى يسر الله تعالى فتح بقية الساحل قسمت البلاد وأوصيت وودعت وركبت هذا البحر إلى جزائرهم اتتبعهم فيها حتى لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت ( ) .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق