196
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث السادس:النظم العسكرية في عهد صلاح الدين:
سابعاً: الفرق الملحقة بالجيش:
أ-الفرقة الهندسية:
كانت تصحب الجيش عادة فرقة هندسية، وأخرى طبية وكانت الأولى تقوم بمهمات تتطلب معرفة خاصة شؤون الهندسة العسكرية التي يلزمها القتال، لاسيما قتال الأسوار والخنادق، مثل نصب المعدات الحربية الثقيلة، كالمنجنيق والدبابات الأقواس الثقيلة مثل قوس الزيار والجرخ والقوس المتعددة الاتجاه، وقاذفات النفط، ثم بناء المعسكرات والأسوار لاسيما في الأماكن ذات الميزة العسكرية الحساسة، وتشييد الجسور ونسفها وردم الخنادق وحفر الآبار وتعيين مواقع ضرب الحصار، حول أسوار المدينة المنوي فتحها، وتهشيم هذه الأسوار، وتغيير مجاري الأنهار، وغيرها من الأعمال الهندسية التي هي ضمن واجبات هذه الفرقة، فلدى حصار بيت المقدس ظل صلاح الدين وجيشه يطوفون حوله طيلة خمسة أيام، وأخيراً استطاع الملمون بشؤون هندسة الأسوار العثور على المكان المناسب في الجهة الشمالية من السور، نحو باب عموداً وكنيسة صهيون، فأمر صلاح بنصب معدات الحصار عند هذا الموضع ( ) وفي عام 581ه/1185م ولدى حصار الموصل التي عجز جيش صلاح الدين من إحراز نصر عسكري مباشر عليها، رغم تكرار محاولاته بسبب متانة أسوارها، أشار عليه بعض رجاله إلى تعطيش المدينة بتحويل مجرى نهر دجلة وعرض الفكرة على رأي الفقيه العالم فخـر الدين بن الدهان البغدادي وكان مهندس زمانه .. قال : هذا ممكن ولا يتعذر، ويتيسر ولا يتعسر ( ) ، وجاء في كتاب بعث به صلاح الدين إلى الخليفة العباسي، والذي كتبه مستشاره المعروف القاضي الفاضل: وذكر المهندسون أهل الخبرة أنه يسهل تحويل دجلة الموصل عنه، بحيث يبعد مستقى الماء منها، وحينئذ يضطر أهلها إلى تسليمها بغير قتال، ولا حصول ضرر في تضييق ولا تزال ( ) . إلا أن صلاح الدين لم ينفذ المشروع، ولعل ذلك لصعوبته وإرتفاع تكاليفه وضيق الوقت واهتمامه بمشاريع أكثر أهمية ( ).
ب-الفرقة الطبية:
ومصاحبة الفرقة الطبية للجيش إلى ميدان القتال لمعالجة الجرحى والمرضى كان أمراً ضرورياً وكان الأطباء ومساعدوهم يشكلون ما يشبه مستوصفاً متنقلاً فيه ما يحتاجونه من أدوية وأدوات ونقالات لحمل الجريح أو المريض، وكانت هذه المعدات تحمل على ظهر الحيوان، ثم ينصب المستوصف داخل خيام يبيت فيه المحتاج إلى العلاج والظاهر أن عهد صلاح الدين كان فترة انتعاش للشؤون المتعلقة بالطب وذلك لكثرة الحاجة إليها، وأغداق صلاح الدين والأمراء المال عليهم بسخاء والواقع أن صلاح الدين بدأ يهتم بشؤون الطب ويشجع القائمين منذ وقت مبكر من حكمه، وقد أولى الأطباء الذين خدموا البلاط الفاطمي بمصر، أو البلاط النوري الأتابكي في الشام اهتماماً كبيراً ( ) ومن الأطباء الذين شاركوا في الحملات العسكرية التي يقوم بها الجيش الصلاحي، أبو زكريا أمين الدولة يحي بن إسماعيل الأندلسي أحد تلامذة الحكيم مهذب الدين فقد كان يصاحب جيش صلاح الدين في القتال، ثم استقر في دمشق، كأكثر أطباء عصره ويبدو لنا أن سبب هذا الاستقرار في هذه المدينة يعود إلى وجود المستشفى النوري الكبير فيها؛ وقد اختيرت دمشق لقربها من ميدان القتال فكان جرحى ومرض الحرب يرسلون إليها بيسر، هذا وقد عجز أبو زكريا عن العمل في أواخر حياته، فأطلق له السلطان جامكية استمرت حتى وفاته ( ) ، كما فعل صلاح الدين مع أطباء آخرين أمثال ابن الدهان البغدادي، والكحال أبي الفضل سليمان المصري ( ) ، ومن أشهر أطباء صلاح الدين موفق الدين أبو نصر أسعد المعروف بابن المطران الدمشقي الذي عرف عنه مشاركته في غزوات السلطان وكان يعمل في البيمارستان النوري بدمشق، وله مجموعة من المصنفات الطبية منها: المقالة الناصرية في حفظ الأمور الصحية ( ) ، وغيرها كثير، يقول العماد الكاتب عن هذا الطبيب إنه كان بارعاً ظريفاً ويشيد بإخلاصه كثيراً، وأنه قد حظي بتقدير صلاح الدين كثيراً، فكان له شأن كبير لديه، وكانت له دراية وذكاء وفراسة ( ) . هذا وكان للسلطان طبيبه الخاص يصحبه في حملاته، لأنه كان يعاني في بعض الأوقات من آلام والتياث مزاج وتظهر دمامل في ظهره حتى لامه أصحابه على قلة اعتنائه بصحته وعدم أخذ قسط كاف من الراحة، فكان يرد عليهم بقوله: إذا ركبت للجهاد زال عني الألم حتى أنزل ( ) وكان الطبيب الخاص لا ينفرد بعلاج السلطان، بل يعالج كبار قادته وأمراء جيشه أيضاً، فحين مرض صاحب أربيل زين الدين يوسف نيالتكين بالحمى التي أودت بحياته في سنة 586ه/1190م أثناء حصار عكا، ذهب طبيب صلاح الدين لمعالجته ( ) . وكان السلطان يشرف بنفسه أحياناً على معالجة الجرحى، كما حصل بعد هزيمة المسلمين في موقعة أرسوق في شعبان 587ه/أيلول 1191م حين جلس وطلب بإحضار الجرحى، فقام بمداواتهم ( ) .
ت-فرقة الموسيقى العسكرية:
بعد أن ينادي الجاويش بالعسكر أن يستعدوا، تشد الرايات، وتبدأ الكوسات ( ) بالضرب وكان هذا بمثابة الموسيقى العسكرية، أو المارشات في الوقت الحاضر كجزء من عملية إثارة حماس المقاتلين ( ) . وتثبت وقائع التاريخ الأيوبي أن الموسيقى العسكرية كان لها شأن كبير في الجيش حتى خصص لها مكان خاص يسمى "الطبلخاناه" أي "مكان الطبل" ويذكر المقريزي بهذا الصدد أنه بعد استقرار صلاح الدين في مصر وانتهاء الدولة الفاطمية "رتب نوبه الطبلخاناه " ( ) ونظم شؤونها ويشرح القلقشندي معنى هذا المصطلح ويقول "ومعناه بيت الطبل ويشتمل على الطبول والأبواق وتوابعها من الآلآت" وقد كانت هذه الآلآت تضرب في أوقات القتال، وفي بقية الأيام "ثلاث مرات في كل يوم" ( ) وكان الذي ينفر على الطبل يسمى "دبندار" والنافخ في البوق يسمى "منفر" أما الذي يضرب بالضوج النحاس بعضها على بعض، فكان يسمى "كوسى" ( ) ، وكانت العادة أن تضرب على الكوسات أيضاً لدى قدومه شخصية عسكرية هامة، وتنشر معها الأعلام والبيارق وتنعر البوقات، كما كان لكل مناسبة إيقاعها الخاص، تمرن على عزفها العازفون، وعلى سماعه المقاتلون، فثمة ضربات خاصة حين تدعو الحالة إلى عدم التوقف على القتال، رغم الهزيمة التي ألحقت بهم فكان "الكوس يدق ولا يفتر" ( ) . وكذلك ضربات خاصة بشائر النصر، فحين وصل الخبر في شوال 587ه/1191م بأن الأسطول الإسلامي قد استولى على مراكب الفرنج التي كانت تحمل أكثر من خمسمائة صليبي : سر المسلمون بذلك، وضربت بشائر النصر، ونعق بوق الظفر ( ) .
ث-حملة أعلام الجيش:
كان ضمن الجيش جماعة مهمتهم حملة الراية السلطانية والحفاظ عليها، والراية أو العلم بمثابة الشارة التي تميز جماعة عن جماعة أخرى، ودولة عن أخرى، فكان لكل دولة إسلامية وغير إسلامية علمها الخاص الذي يتخذ من لون أو رنك ( )، وكان لون العلم الصلاحي أصفر وفي وسطه صورة طير النسر علامة القوة والثقة في النصر ( ) . وكان بين الرايات : راية عظيمة من حرير أصفر مطرزة بالذهب عليها ألقاب السلطان واسمه، وتسمى العصابة وراية عظيمة في رأسها خصلة من الشعر تسمى الجاليش، ورايات صفر صغار تسمى السناجق ( ) . وكانت الراية الكبيرة تحمل عادة في ركب السلطان ( ) . وعن الراية الصلاحية يتحدث العماد لدى فتح الجيش الأيوبي لصيدا سنة 583ه/1187م يقول : جاء رسل صاحبها بمفاتيحها وأذهبنا ظلماتها من العزائم العز بمصابيحها، وطلعت الراية الصفراء باليد البيضاء على سورها ( ) هذا وقد ورد ذكر الراية الصلاحية في مجموعة من قصائد شعراء ذلك العصر في المناسبات التي أحرز فيها الجيش الأيوبي نصراً على الصليبيين ورفع فيها العلم الأيوبي، فلدى انتصار المسلمين عليهم وتخريب بيت الأحزان سنة 575ه/1179م هنأه جماعة من الشعراء بالفتح منهم بهاء الدين أبو الحسن علي الساعاتي الخراساني الذي قال في قصيدة له:
وما رفعت اعلامُك الصفُر ساعة
إلى أن غدت أكبادها السود ترجفُ
كبا من أعاليه صليبٌ وبيعةٌ
وساد به دين حنيف ومصحف
اتسكن أوطان النبيين عصبةٌ
تمين لدى أيمانها حين تحلف
نصحتكمُ – والنصح في الدين واجب
ذروا بيت يعقوب فقد جاء يوسف( )
وقال "العلم الشاتاني" الذي مدحه بقصيدته الرائية التي مطلعها:
أرى النصر مقروناً برايتك الصفرا
فسر وأملك الدنيا فأنت بها أحرى( )
وكانت الراية رمز السيادة، فكانت ترفع في الأماكن كالحصون والسفن والمؤسسات الحربية الرئيسية، وحين يهزم أحد الطرفين، فإن أول ما كان يفعله المنتصر هو نزع راية المنهزم وإنزالها ورفع رايته مكانها، كما فعل المسلمون في الحصون التي فتحوها والتي كانت بيد الصليبيين ( ) وأما الراية الصليبية فيصفها ابن شداد الذي رآها محملة على عربة ويقول: وعلم العدو مرتفع على عجلة هو مغروس فيها، وهي تسحب بالبغال، وهم يذبون عن العلم وهو عال جداً كالمنارة خرقته بياض، ملمع بحمرة على شكل الصلبان ( ) . أي أن العلم الصليبي كان يشبه علم منظمة الصليب الأحمر الدولية الآن ( ) .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق