إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 11 أغسطس 2014

179 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي: ثامناً:الخَبُوشاني:



179


موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:

ثامناً:الخَبُوشاني:

الفقيه الكبير، الزاهد، نجم الدين أبو البركات محمد بن موفَّق بن سعيد الخُبُوشاني، الشافعي الصوفي، تفقه على محمد بن يحي وبرع () ، وكان يستحضر كتابه المحيط وهو ستة عشر مجلداً، وأصله من نيسابور وكان السلطان صلاح الدين يُقرَّبُهُ ويعتقد فيه وقد اشتهر بالفضل والديانة وسلامة الباطن، وكان متقشفاً في العيش، صلباً في الدين وكان يقـول – قبـل نزوله إلى مصر – أصعد إلى مصر، وأزيل ملك بني عُبيد اليهودي، فنزل بالقاهرة، وصّرح بثلب أهل القصر، وجعل سَبَّهم تسبيَحهُ، فحاروا فيه فنفذوا إليه بمال عظيم قيل: أربعة الآدف دينار، فقال للرسول: ويلك ما هذه البدعة ؟ فأعجله، فرمى الذَّهب بين يديه، فضربه وصارت عمامته حِلقَاً وأنزله من السلم () وعندما نزل مصر عام خمس وستين وخمسمائة، نزل ببعض مساجدها، فأتَّفق أن الخليفة العاضد لدين الله رأى في منامه أنه بمدينة مصر وقد خرج إليه عقرب من مسجد معروف بها فلدغه، فانتبه مذعوراً، واستدعى عابر الرؤيا وقصّ عليه ما رأى، فقال ينال أمير المؤمنين مكروه من شخص مقيم بهذا المسجد فألزم الوالي بإحضار من في المسجد، فمضى إليه وأحضر منه رجلاً صوفياً : فسأله العاضد من أين هو، ومتى قدم مصر وفي أي شيء جاء، فأجابه عن ذلك، ولم يظهر للعاضد ما يريبه، بل تبيّن منه ضعف الحال مع الصدق، فدفع إليه مالاً. وقال له: يا شيخ أدع لنا، وخلاّه لسبيله فعاد إلى مسجده ولم يزل به حتّى قدم شيركوه من دمشق، وقام في وزارة العاضد السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب وشرع في إزالة الدولة، فاستفتى فقهاء مصر، فكان أشَّدهم مبالغة في الفُتيا، وعدّد مساوئ القوم، وسلب عنهم الإيمان، وأطال القول في الحطَّ عليهم () .

وكان يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، فقد جاءه حاجب نائب مصر المظفر الدين عمر، وقال له : تقُّي الدين يُسلَّمُ عليك. فقال الخبُوشاني قل : بل شَِقيُّ الدين لا سَلمَّ الله عليه قال : إنه يعتذر، ويقول: ليس له موضعٌ لبيع المِزْرِ () . قال : يكذب. قال : إن كان ثّم مكان، فأرناه قال: إدنُ. فدنا، فأمسك بشعره، وجعل يلطم على رأسه ويقول: لستُ مزّاراً، فأعرف مواضع المِزْر، فخلصَّوه منه() . وعاش عمره لم يأخذ درهماً لمِلَكِ ولا من وقْفٍ ودفن في الكساء الذي صحبه من بلده، وكان يأكل من تاخر صَحِبَهُ من بلده () . هذا وقد مات الخَبُوشانيُّ في ذي القعد سنة سبع وثمانين وخمس مئة ().

فهذه التراجم لسير بعض العلماء في عهد صلاح الدين وكانت مكانة هؤلاء العلماء والفقهاء عند صلاح الدين بالغة الرفعة ونالواً حظاً وافراً عنده، فكان مجلسه حافلاً بأهل العلم والفضل ويذكر العماد في هذا الشأن أنه كان : يؤثر سماع الحديث بالأسانيد، وتكلم العلماء عنده بالعلم الشرعي المفيد، وكان لمداومة الكلام مع الفقهاء ومشاركة القضاة في القضاء  أعلم منهم بالأحكام الشرعية والأسباب المرضية والأدلة المرعية () .

كما يذكر ابن شداد عنه: ومتى سمع عن شيخ ذي رواية عالية وسماع كثير، فإن كان ممن يحضره عنده استحضره وسمع عليه، فأسمع من يحضره في ذلك المكان من أولاده، ومماليكه المختصين به ... وإن كان ذلك الشـيخ ممن لا يطـرق أبواب السلاطين ويتجافى عن الحضور في مجالسهم، يسعى إليه، وسمع عليه () ، وقد كانت علاقة صلاح الدين بالإمام قطب الدين النيسابوري علاقة وطيدة، لأنه كان دائم المناقشة والبحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء فيما يحتاج إلى تفهمه () ، وخلاصة القول أن العلماء والفقهاء كانوا يحتلون مكانة عظيمة وحظوة كبيرة عند صلاح الدين ونالوا منه كل عطف ورعاية واحترام وتقدير من الناحيتين المادية والمعنوية، وكانت آراؤهم موضع اعتبار وتقدير من هؤلاء الملوك، واستشارتهم واجبة في كل الأمور الشرعية التي تمس كل نواحي الحياة في الدولة، بل أصبح لهؤلاء العلماء والفقهاء السيطرة الروحية على أذهان الناس وبلغت مكانتهم حداً كبيراً من الرفعة لدرجة أنهم أثروا تأثيراً بالغاً في الشعوب والحكومات، ولا أدل على ذلك من أن الحكومات قد أسلمت زمام الدفاع والقتال لرجال العلم والفقه أمثال الفقيه عيسى الهكاري الذي أجاد وبرع في الناحيتين الدينينة والحربية في عصر صلاح الدين () .


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق