178
موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي
الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية
المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:
سابعاً:العماد الأصفهاني:
القاضي الإمام، العلاّمة المفتي، المنشيءُ، والوزير، عماد الدين، أبو عبد الله محمد بن حامد بن محمد بن عبدالله بن علي بن محمود بن هبة الأصبهاني الكاتب يعرف بابن أخي العزيز، قدم بغداد، فنزل بالنظامية، وبرع في الفقه على أبي منصور سعيد ابن الرَّزاز واتقن العربية والخلاف، وساد في علم الترسل، وصنف التصانيف واشتهر ذكره () ، واتَّصل بابن هبيرة، ثم تحَّول إلى دمشق سنة اثنتين وستَّين، واتَّصل بالدولة، وخدم بالإنشاء الملك نور الدَّين، وكان ينُشئُ بالفارسي أيضاً فنَّفذه نور الدين رسولا إلى المستنجد، وولاه تدريس العمادية سنة سبع وستين، ثم رتبَّه في إشراف الديوان، فلما توفي نور الدين أُهمِل، فقصد الموصل، ومرض، ثم عاد إلى حلب، وصلاح الدين محاصر لها سنة سبعين، فمدحه، ولزم ركابه، فاستكتبه، وقرَّبه، فكان القاضي الفاضل ينقطع بمصر لمهمَّات فيسدُّ العماد في الخدمة مَسَدَّة () ، وصار العماد معاون القاضي الفاضل في كل الأمور واستعاد مقامه القديم وصار كاتب سر صلاح الدين () ، واستكتبه صلاح الدين ووثق به وقرّبه إليه وصار من خاصته يصرف الأمور ويقسم الأموال التي سلمها إليه السلطان ويوقع على ما يوقع عليه دون مراجعة ويقضي حاجات من يلجأ إليه من الناس ويزاحم الوزراء وأعيان الدولة وإن لم يصل إلى نفس المكانة العالية التي كانت للفاضل في نفس صلاح الدين وقد لزم العماد صلاح الدين بعد هذا أكثر من القاضي الفاضل الذي كان يتخلف عن السلطان كثيراً ويقيم في القاهرة ودمشق ليشتغل بالأعمال السلطانية ... وأنشأ في عهد صلاح الدين الرسائل والمناشير والتبشيرات الكثيرة ودخل مجالس المشورة () .
ولما مات السلطان صلاح الدين سنة 589ه أفل نجم العماد فاختلت أحواله وساءت أموره ولم يعامله أولاد صلاح الدين معاملة أبيهم له وأقصوه عن مركزه وفي ذلك يقول العماد في مقدمة البرق الشامي: ولما نقله الله الكريم إلى جناب جنانه اقتسم أولاده ممالكه، وقلت : سلكوا مسالكه ونسكوا مناسكه وإنهم يعرفون مقداري، ويرفعون مناري ويشرحون صدري ولا يضعون قدري، فأخلف الظن حتى قطعوا رسومي ومنعوا مرسومي، وغوروا منابعي وكدّروا مشارعي () وبعد موت صلاح الدين لا يذكر المؤلفون الذين ترجموا للعماد شيئاً من أخباره فيقول ياقوت : إنه لزم بيته وأقبل على التصنيف والإفادة () ، كما يذكر ابن خلكان أنه : لزم بيته وأقبل على الاشتغال والتصانيف () ، ويبدو أن العماد عاد بعد هذه الفترة إلى الدرس والتأليف ويتضح ذلك من رسالة بعث له بها القاضي الفاضل من مصر سنة 595ه يشكو فيها حياة العزلة في مصر ويعد مقدرة العماد على الانكباب على الدرس والتأليف نعمة يتعين شكرها فيقول : وأنا على ما يعلمه المولى من العزلة إلا إنها بلا سكون وفي الزاوية المسنونة لأهل العافية في الزمان المجنون، ونحن على انتظار البرق الشامي أن يمطر وحاشا ذمة الوعد به أن تخفر واشتغال سيدنا في هذا الوقت بالدرس والتدريس والتصوير والتكييف، والتصانيف التي تصرف فيها بالبلاغة أحسن التصاريف نعمة يتعين شكرها على العلماء، ويختص باللذة بها سادتهم من الفقهاء () ومما قاله من شعر:
وللناس بالملك الناصر الصّلاح
صلاح ونصر كبير
هو الشمسُ وأفلاكُهُ في البلاد
ومطلُعُه سَرْجُهُ والسرير
إذا ما سَطَا أو حبا واحتبى
فما الليث؟ من حاتم ؟ ما ثَبِيْر () ؟
وارتحل في موكب فقال في القاضي الفاضل
أمَّا الغََُارُ فإنَّه
مِمَّا أَثَارَته السَّنَابِك
فالجوُّ منه مُظلِمٌ
لكن تباشير السَّنابك
يا دهرُ لي عبدالرحيم
فلستُ أخشى مَسَّ نابك()
وقد توفي العماد في الاثنين مستهل شهر رمضان سنة 597ه/5 حزيران 1121، ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر () .
يتبع
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق