إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 22 نوفمبر 2015

442 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثاني والثلاثون إمارات عربية شمالية


442

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
     
الفصل الثاني والثلاثون

إمارات عربية شمالية

لقد استغلت القبائل العربية الضعف الذي مر على الحكومة السلوقية، فأخذت تزحف نحو الشمال وتهدد المدن القريبة من البوادي وتحاول الاستيلاء عليها. وقد استولت فعلاً على بعضها وكوّنت حكومات يمكن إن نطلق عليها مصطلح "مشيخة" أو إمارة بحسب مصطلحاتنا السياسية في الزمن الحاضر. وهي حكومات توقفت حياتها على كفاية من كوّنها وأقام اسسها، وعلى كفاية من خلف المؤسسين لها من أشخاص. ولذلك كان عصرها قصيراً في الغالب، وكان حجمها يتوسع أو يتقلص بسرعة، لأن قوة الحكومات بقوة الحكام، فإذا كان الحاكم ذا شخصية قوية وارادة وحزم وذكاء، أغار على جيرانه وهاجم حدود الدول الكبرى، وأصابها بأضرار تضطرها إلى الاعتراف به رئيساً على قبيلته وعلى الأعراب الخاضعين لسلطان، ويبقى على مكانته هذه مادام قوياً، فإذا خارت قواه، أو ظهر منافس له أقوى منه، ولا سيما إذا كان منافسه قد جاء حديثاً من البادية بدم نشيط، ومعه قوم أقوياء أصحاب عدد، زعزع عن محله المرموق، وصار الأمر لغيره، وهكذا.

ويجب ألا ينصرف الذهن إلى إن هذه القبائل كانت قد جاءت إلى بادية الشام في هذا الزمن أو قبله بقليل، فقد سبق أن تحدثت عن وجود الأعراب في هذه البادية قبل هذأ العهد بزمان. وقد رأينا كيف حارب الآشوريون الأعراب، ولم يكن أولئك الأعراب الذين كانوا قد كوّنوا "إمارات" لهم في البادية من أبناء الساعة بالطبع، بل لا بد إن يكونوا قد هبطوا بها قبل حروبهم مع الآشوريين بزمان لا يعرف مقداره إلا الله، ولا بد أن يكون اتصال عرب جزيرة العرب بهذه البادية اتصالاً قديماً، فالبادية والهلال الخصيب امتداد لأرض جزيرة العرب والهجرة بين هذه المواضع قديمة قدم ظهور هذه المواضع إلى الوجود.

لم يكن أمام، أعراب جزيرة العرب من مخرج. حينما تجف أرضهم ويقضي الجفاف على البساط الأخضر الذي يقرشه الغيث في بعض السنين على سطح الأرض مدة غير طويلة، إلاّ الهجرة إلى أماكن يجدون فيها الخضرة والماء، ليحافظوا فهما على حياتهم وحياة ماشيتهم، وإلا تعرضوا للهلاك. والخضرة والخصب لا يكونان إلا حيث يكون الجو الطيب والماء الغزير، وهما متوافران في الهلال الخصيب وفي أطراف جزيرة العرب في الجنوب، حيث تسعف أبخرة البحر العربي والمحيط تلك الأرضين فتغذيها بالرطوبة وبالأمطار، لذلك كانت الهجرات إلى مثل هذه الأرضين دائمة مستمرة.

ويجد أعراب نجد في البادية وفي الهلال الخصيب ملاذهم الوحيد في الخلاص من خطر الفناء جوعاَ، فيتجهون بحكم غريزة المحافظة على الحياة نحوها،غير مبالين بما سيلاقون من صعوباًت، وأية صعوبات تواجه الإنسان أعظم من تحمل الموت جوعاً وببطء.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق