إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 أغسطس 2014

216 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية المبحث السابع:جهود صلاح الدين الأيوبي في توحيد الجبهة الإسلامية: أولاً:ضم دمشق : 1-خطاب صلاح الدين الموجه للخليفة العباسي:



216


موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية

المبحث السابع:جهود صلاح الدين الأيوبي في توحيد الجبهة الإسلامية:

أولاً:ضم دمشق :

1-خطاب صلاح الدين الموجه للخليفة العباسي: 

أرسل السلطان صلاح الدين الخطيب شمس الدين بن الوزير أبي المضاء إلى الديوان العزيز برسالة ضمنها القاضي الفاضل كتاباً طويلاً رائقاً فائقاً، يشتمل على تعداد ما للسُّلطان من الأيادي من جهاد الإفرنج في حياة نور الدين، ثم فتح مصر واليمن، وبلاد جمَّة من أطراف المغرب، وإقامة الخُطبة العباسية بها يقول في أوله للرسول : فإذا قضي التسليم حقَّ اللقاء، واستدعى الإخلاص جهد الدُّعاء، فليعُد حوادث ما كانت حديثاً يفترى وجواري أمور إن قال فيها كثيراً فأكثر منه ما قد جرى، وليشرح صدراً منها لعَّله يشرح منا صدراً وليوضح الأحوال المستسَّرة فإن الله لا يُعبد سِراً.

ومن الغرائب أن تسير غرائبٌ
   
    في الأرض لم يعلم بها المأمول

كالعيسىِ أقتل ما يكون لها الصَّدى
   
    والماء فوق ظهورها محمول


فإنا كنا نقتبس النار بأكفنا وغيرنا يستنير، ونستنبط الماء بأيدينا وسوانا يستمير، ونَلْقى السَّهام بنحورنا وغيرنا يعتمد التصوير، ونصافح الصَّفاح بصدورنا وغيرنا يَّدعى التصَّدير. ولابد أن نستردَّ بضاعتنا بموقف العدل الذي تُرد به الغُصوب، وتظهر طاعتنا فنأخذ بحظ القلوب. وما كان العائق إلا كُنَّا ننتظر ابتداءاً من الجانب الشريف بالنعمة يضاهي ابتداءنا بالخدمة، وإيجاباً للحق يشاكل إيجابنا للسَّبْق وكان أول أمرنا أنا كنا في الشام نفتتح الفتوح مباشرين بأنفسنا ونجاهد الكُفّار ... متقدمين لعساكرنا، نحن ووالدنا وعمنا، فأي مدينة فُتحت أو مَعْقِل مُلك أو عسكر للعدوَّ كًسَر أو مصاف للإسلام معه طُرب لم نكن فيه.فما يجهُلَ أحدٌ صنُعا ولا يجحد عدونا أنَّا نعطي الجمرة، ونملك الكَرَّة ونتقدم الجماعة ونُرتَّب المقاتلة، وندبر التَّعبئة، إلى أن ظهرت في الشام الآثار التي لنا أجرها، ولا يضرنا أن يكون لغيرنا ذكرُها وكانت أخبار مصر تتصل بنا بما الأحوال عليه فيها من سوء تدبير وبما دَوْلتها عليه من غلبة صغير على كبير، وأن النظام بها قد فَسَد والإسلام بها قد ضَعُفَ عن إقامته كلُّ من قام وقَعَد والفرنج قد احتاج من يدبرها إلى أن يقاطعهم بأموال كثيرة، لها مقادير خطيرة، وأنَّ كلمة السنَُّة بها وإن كانت مجموعة فإنها مقموعة، وأحكام الشريعة، وإن كان مسماة فإنها متحاماة، وتلك البدع بها على ما يُعلم، وتلك الضَّلالات فيها على ما يفتى فيه بفراق الإسلام ويحكم، وذلك المذهب قد خالط من أهله اللَّحم والدم، وتلك الأنصاب قد نصبت آلهة تُعْبَدُ من دون الله وتعظمّ وتضخم، فتعالى عن شبه العباد، وويلٌ غَرَّة تقلُّبُ الذين كفروا في البلاد. فسمت همَّتنُا دون همم أهل الأرض إلى أن نستفتح مُقَفلها، ونسترجع للإسلام شاردها، ونعيد على الدين ضالته منها، فسرنا إليها في عساكر ضخمة وجموع جمة وبأموال انتهكت الموجود، وبلغت منا المجهود، أنفقناها من حاصل ذممنا وكسب أيدينا وثمن أسارى الفرنج الواقعين في قبضتنا فعرضت عوارض منعت، وتوجًّهت للمصريين رُسُل باستنجاد الفرنج قطعت "و لكل أجل كتاب" ولكلَّ أمل باب. وكان في تقدير الله أنّا نملكها على الوجه الأحسن، وتأخذها بالحكم الأقوى الأمكن، فَغَدرَ الفرنج بالمصريين غدرة في هدنة عَظُمَ خَطْبُها وخبطها، وعُلم أن استئصال كلمة الإسلام محطُّها فكاتبنا المسلمون من مصر في ذلك الزمان، كما كاتبنا المسلمون من الشاَّم في هذا الأوان بأنَّا إن لم ندرك الأمر وإلا خرج عن اليد، وإن لم ندفع غريم اليوم لم نمهل إلى الغد، فيسرنا بالعساكر المجموعة وأمراء الأهل المعروفة، إلى بلاد قد تمهَّد لنا بها أمران وتقَّرر لنا في القلوب وُدَّان : الأول ما علموه من إيثارنا للمذهب الأقوم وإحياء الحق الأقدم، والآخر ما يرجونه من فكَ إسارهم، وإقالة عِثارهم ( ) ، ففعل الله ما هو أهله وجاء الخير إلى العدو فانقطع جَبْلهُ وضاقت به سُبله وأفرج عن الديار بعد ان كانت ضياعها ورساتيقها وبلادها وأقاليمها، قد نفذت فيها أوامره، وخفقت عليها صُلْبانه، ونصبت بها أوثانه، وأيس من أن يسُترجع ما كان بأيديهم حاصلاً، وأن يسُنقد ما صار في ملكهم داخلاً ووصلنا البلاد وبها أجناد عددهم كثير، وسوادهم كبير، وأموالهم واسعة، وكلماتهم جامعة، وهم على حرب الإسلام أقدر منهم على حرب الكفر، والحيلة في السَّرَّ فيهم من العزيمة في الجهر وبها راجل من السُّودان يزيد على مئة ألف، كلهم أغتام ( ) أعجام "إن هم إلاَّ كالأنعام" لا يعرفون ربَّا إلا ساكن قصره، ولا قبلة إلاَّ ما يتوجهون إليه من ركنه، وامتثال أمره، وبها عسكر من الأرمن باقون على النصَّرانية موضوعة عنهم الجزية، كانت لهم شوكة وشِكَّة، وحُمة وحَمِيَّة ولهم حواش لقصورهم من بين داع تلطَّف في الضَلال مداخلُه، وتصيب القلوبَ مخاتله، ومن بين كُتَّاب تفعل أقلامهم أفعال الأشل وخُدَّام يجمعون إلى سواد الوجوه سواد النَّحل، ودوله قد كبر نملها الصَّغير، ولم يعرف غيرها الكبير، ومهابة تمنع من خَطرَات الضَّمير، فكيف بخطوات التدبير، هذا إلى استباحة للمحارم ظاهرة، وتعطيل الفرائض على عادة جائرة، وتحريف للشريعة بالتأويل، وعدول إلى غير مراد الله بالتنزيل، وكُفْر سُمي بغير اسمه وشرع يُتستَّر به ويُحكم بغير حكمه، فما زلنا نسحتهم سحت المبادر للشّفار، ونتحيَّفهم تحيُّف الليل والنهار للأعمار، بعجائب تدبير لا تحتملها المساطير، وغرائب تقدير لا تحملها الأساطير، ولطيف توصُّلِ ما كان من حيلة البشر ولا قدُرتهم لولا إعانة المقادير، وفي أثناء ذلك استنجدوا علينا الفرنج، دفعة إلى بلبْيس ودفعة إلى دمياط، وفي كل دفعة منهما وصلوا بالعدو المجهر ( ) والحشد الأوفر، وخصوصاً في نوبة دمياط، فإنهم نازلوها بحراً في ألف مركب، مقاتل وحامل، برّاً في مئتي ألف فارس وراجل، وحصروها شهرين يباكرونها ويراوحونها، ويماسونها ويصابحونها القتال الذي يصلَّبه الصليب، والقراع الذي ينادي به الموت من كل مكان قريب، ونحن نقاتل العدوَّين الباطن والظاَّهر، ونصابر الضَّدَّين المنافق والكافر، حتى أتى الله بأمره وأيدنا بنصره وخابت المطامع من المصريين والفرنج، وشرعنا في تلك الطوائف من الأرمن والسُّودان والأجناد، فأخرجناهم من القاهرة، بالأوامر المرهقة لهم، وبالأمور الفاضحة منهم، وبالسيوف المجرَّدة وبالنار المحرقة، حتى بقي القصُر ومن به من خدم ومن ذُرَّية قد تفرقت شِيُعه وتمزقت بدعه وخفتت دعوته، وخفيت ضلالته، فهناك تمّ لنا إقامة الكلمة، والجهر بالخطبة والرفع للواء الأسود المعظم، وعاجل الله الطاغية الأكبر لهلاكه وفنائه، وبرأنا من عُهدة يمين ثم يمين كان إثم حِنثها أيسر من إثم إبقائه لأنه عوجل لفرط روعته، ووافق هلاك شخصه هلاك دولته ولما خلا ذرعنا، ورَحُب وسعنا نظرنا في الغزوات إلى بلاد الكُفَّار فلم تخرج سَنَة إلا عن سُنَّة أقيمت فيها براً وبحراً، مركبا وظهراً، إلى أن أو سعناهم قتلاً وأسراً وملكنا رقابهم قهراً وقسراً ( ) ، وفتحنا لهم معاقل ما خطر أهل الإسلام فيها مُذ أُخذت من أيديهم ولا أُوجفت عليها خيلهم ولا ركابهم مُذ ملكها أعاد بهم فمنها ما حُكَّمت فيه يَدُ الخراب، ومنها ما استولت عليه يد الاكتساب، ومنها قلعة بثغر أيلة كان العدوُّ قد بناها في بحر الهند، وهو المسلوك منه إلى الحرمين واليمن، وغزا ساحل الحَرَم فسبى منه خَلْقاً، وخرق الكفر في هذا الجانب خرقاً، فكادت القبلة أن يستولى على أصلها ومشاعر الله أن يسكنها غيُر أهلها، ومقام الخليل عليه السَّلام، أن يقوم به من نَارُه غيرُ برد وسلام، ومضجع الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتطرَّقه من لا يدين بما جاء به من الإسلام، ففتح الله هذه القَلعة وصارت مَعْقلاً للجهاد، وموئلاً لسُفَّار البلاد وغيرهم من عُبَّاد العباد. ثم قال : وكان باليمن ما عُلِم من ابن مهدي الضَّال الملحد المبدع المتمَّرد، وله آثار في الإسلام، وثأر طالبُهُ النبي عليه الصلاة والسلام لأنه سبى الشرائف الصالحات وباعهن بالثمن البَخْس، واستباح منهن كل مالا يقر المسلم عليه نفس، ودان ببدعة، ودعا إلى قبر أبيه وسمَّاه كعبة وأخذ أموال الرَّعايا المعصومة وأجاحها ( ) ، وأحلَّ الفروج المحَّرمة وأباحها فانهضنا إليه أخانا بعسكرنا بعد أن تكلفنا له نفقات واسعة وأسلحة رائعة، وسار فأخذناه ولله الحمد، وأنجح الله فيه القصد، والكلمة هنالك بمشيئة الله إلى الهند سامية وإلى ما يقتضيُّ الإسلام عُذرته متمادية. ولنا في الغرب أثرٌ أغرب، وفي أعماله أعمال دون مطلبها مهالك كما يكون المهلك دون المطلب؛ وذلك أن بني عبدالمؤمن قد أشتهر أن أمَرْهَم قد أمر ( ) وملكهم قد عُمر، وجيوشهم لا تطاق وأمرهم لا يشاق، ونحن بحمد الله قد تملكنا مما يجاورنا منه بلاداً تزيد مسافتها على شهر، وسَيَّرنا إليها عسكراً بعد عَسكر، فرجع بنصر بعد نصر، ومن البلاد المشاهير والأقاليم الجماهير : برقة، قَفصة، قسطيلية، تَوْزَر، كلُّ هذه تقام فيها الخطبة لمولانا المستضيء بأمر الله – أمير المؤمنين سلام الله عليه – ولا عهد للإسلام بإقامتها وينفَّذ فيها الأحكام بعلمها المنصور وعلامتها. وفي هذه السنة كان عندنا وَفدٌ قد شاهده وفود الأمصار ورموه بأسماع وأبصار، مقداره سبعون راكبا كلهم يطلب لسلطان بلده تقليداً، ويرجو منا وعداً ويخاف وعيداً وقد صدرت عنا بحمد الله تقاليدها، وألقيت إلينا مقاليدها، وسَيَّرنا الخِلعَ والمناشير والألوية، بما فيها من الأوامر والأقضية، فأمّا الأعداء المحدقون بهذه البلاد والكُفَّار الذين يقاتلوننا بالممالك العظام والعزائم الشَّداد، فمنهم صاحب قسطنطينية وهو الطّاغية الأكبر، والجالوت الأكفر، وصاحب المملكة التي أكلت على الدّهر وشربت، وقائم النصرانية التي حكمت دولته على ممالكها وغَلَبتَ، جرت لنا معه غزوات بحرية، ومناقلات ( ) ظاهرة وسِرَّية ولم نخرج من مصر إلى وصلتنا رُسله في جمعة واحدة نوبتين، بكتابين، كل واحد منهما يظهر فيه خفض الجناح وإلقاء السَّلاح والانتقال من معاداة إلى مُهاداة، ومن مفاضحة إلى مناصحة، حتى إنه أنذر بصاحب صقلية وأساطيله التي ترَّد ذكرها وعساكره التي لم يخف أمرها. ومن هؤلاء الكُفَّار هذا صاحب صقلّية، كان حين علم بأن صاحب الشَّام وصاحب قسطنطينية قد اجتمعا في نوبة دمياط فغُلبا وقسراً وهُزما وكُسرا، أراد أن يظُهر قَوَّته المستقلَّة فعمَّر أسطولا استوعب فيه ماله وزمانه، فله، الآن خمس سنين يكثُر عِدَّته، وينتخب عُدَّته، إلى أن وصل منها في السنة الخالية إلى الإسكندرية أمر رائع وخَطْبٌ هائل، ما أثقل ظهر الحبر مِثلُ حمله، ولاملاء مدره مثل خيله ورَجْله، وما هو إلا أقليم بل أقاليم نَقلَه، وجيش ما احتفل ملك قط بنظيره لولا أن الله خذله ومن هؤلاء الجيوش البنادقة، والبياشنة والجنوبية كلّ هؤلاء تارة يكونون غزاة لا تُطاق ضراوة ضَرَّهم، ولا تطقأ شرارة شَرَّهم، وتارة يكونون سُفّاراً يحتكمون على الإسلام في الأموال المجلوبة، وتقصُر عنهم، ويُد الأحكام المرهوبة، وما منهم إلا من هو الآن يجلب إلى بلدنا آلة قتاله وجهاده، ويتقرَّب إلينا بإهداء طرائف أعماله وتلاده وكلهم قد قُرَّرت معهم المواصلة، وانتظمت معهم المسُالمة، على ما نريد ويكرهون وعلى ما نؤثرُ وَهُم لا يؤثرون ولما قضى الله سبحانه بالوفاة النورية وكنا في تلك السنة على نِيَّة الغزاة والعساكر قد تجهَّزت والمضارب قد برّزت ونزل الفرنج بانياس وأشرفوا على اجتيازها ورأوها فُرصة مدُّوا يَدَ انتهازها، استصرخ بنا صاحبها، فسرنا مراحل اتصل بالعدوَّ أمرها، وعوجل بالهُدْنة الدمشقية التي لولا مسيرنا ما انتظم حكمها ثم عدنا إلى البلاد وتوافق إلينا الأخبار بما المملكة النورية عليه من تشعُّب الآراء وتوزُّعها، وتشتُّت الأمور وتقطعها، وأن كل قلعة قد حصل فيها صاحب وكل جانب قد طمع إليه طالب، والفرنج قد بنوا قلاعاً يتحيّفون بها الأطراف الإسلامية، ويضايقون بها البلاد الشامية وأمراء الدولة النًّورية قد سجن كبارُهم، وعوقبوا وصودروا، والمماليك الأغمار الذين خُلقوا للأطراف لا للصُّدور، وجعلوا للقيام لا للقعود في المجلس المحضور، قد مدُّوا الأيدي والأعين والسيوف، وساءت سيرتهم في الأمر بالمنكـر والنَّهـي عن المعروف ( )، وكل واحد يتخذ عند الفرنج يداً، ويجعلهم لظهره سنداً، وعلمنا أن البيت المقَّدس إن لم تتيسَّر الأسباب لفتحه، وأمر الكفُر إن لم يجرد العزم في قَلعْه وإلا نبتت عروقه وأتَّسعت على أهل الدين خُروقه، وكانت الحجة لله قائمة، وهمم القادرين بالقعود آثمة. وإنَّا لا نتمكن بمصر منه مع بُعد المسافة، وإنقطاع العمارة، وكلال الدَّواب التي بها على الجهاد القّوة وإذا جاورناه كانت المصلحة بادية، والمنفعة جامعة واليد قادرة، والبلاد قريبة والغزوة ممكنة والميرة متسعة، والخيل مستريحه، والعساكر كثيرة الجموع، والأوقات مساعدة. وأطحنا ما في الشام من عقائد مَعتَّلة، وأمور مختَلَّة وأراء فاسدة، وأمراء متحاسدة وأطماع غالبة، وعقول غائبة، وحفظنا الولد القائم بعد أبيه فإنّا به أولى من قوم يأكلون الدّنيا باسمه ويُظهرون الوفاء في خدمته وهم عاملون بظلمه. والمراد الآن هو كل ما يقوي الدولة، ويؤكد الدعوة ويجمع الأمة ويحفظ الألفة ويضمن الرأفة ويفتح بقية البلاد وأن يطبَّق بالإسم العباسي كل ما تطبقه المهاد، وهو تقليد جامع بمصر، واليمن والمغرب والشام، وكل ما تشتمل عليه الولاية النورية، وكل ما يفتحه الله تعالى للدولة العباسية بسيوفنا وسيوف عساكرنا، ولمن نقيمه من أخٍ أو ولدٍ من بعدنا تقليداً يضمن للنعمة تخليداً، وللدعوة تجديداً، مع ما ينعم من السمات التي فيها الملك. وبالجملة فالشام لا تنتظم أموره بمن فيه والبيت المقَّدس ليس له قرْن يقوم به ويكفيه، والفرنج فهم يعرفون منا خَصماً لا يَمَلُّ الشر حتى يملوا، وقرْنا لا يزال محرم السيف حتى يجلوا، وإذا شَدَّ رأيناَ حُسْن الرأي ضربنا بسيف يقطع في غمده، وبلغنا المنى بمشيئة الله تعالى ويَدُ كل مؤمن تحت بُرْده واستنقذنا أسيراً من المسجد الذي أسرى الله إليه بعبده ( ) ومن كتاب آخر فاضلي جاء فيه: لم يكن سببُ خروج المملوك من بيته إلا وعدٌ كان انعقد بينه وبين نور الدين رحمه الله تعالى في أن يتجاذبا طرفي الغزاة من مصر والشام؛ المملوك بعسكري بَرَّه وبحره، ونور الدين من جانب سهل الشَّام وَوَعْره، فلما قضى الله بالمحتوم على أحدهما وحدثت بعد الأمور أمور، واشتهرت للمسلمين عورات وضاعت ثغور، وتحكمّت الآراء الفاسدة وفُورقت المحاجُّ القاصدة، وصارت الباطنية بطانة من دون المؤمنين والكُفَّار محمولة إليها جِزَى المسلمين والأمراء الذين كانوا للإسلام قواعد، وكانت سيوفهم للنّصر موارد، يشكون ضيق حلقات الإسار، وتطرُّق الكفار بالبناء في الحدود الإسلامية، ولا خفاء أنَّ الفرنج بعد حلولنا بهذه الخطة قاموا وقعدوا، واستنجدوا علينا أنصار النصرانية في الأقطار، وسيرَّوا الصَّليب ومن كُسى مذابحهم بقمامة وهدَّدوا طاغية كفرهم بأشراط القيامة ونفذّوا البطارقة، والقسَّيسين، برسائل صُوَرِ من يصورونه ممن يسمُّونهم القِدَّسين، وقالوا: إن الغفلة إن وقعت أوقعت فيما لا يُستدرك فارطه وإن كلاً من صاحب قُسطنطينية، وصاحب صِقِليَّه، وملك الألمان وملوك ما وراء البحر، وأصحاب الجزائر، كالبندقية والبيشانية والجَنوية، وغيرهم، قد تأهبوا بالعمائر البحرية والأساطيل القوية، والإسلام يا أمير المؤمنين أعزُّ ناصراً، لاسيما وهم ينصرون باطلاً وهو ينصر حقاً وهو يعبد خالقاً وهم يعبدون خلْقا ( )  وقد استجاب الخليفة لمطالب صلاح الدين وأنعم عليه بحكم مصر والشام وأرسل إليه رسل دار الخلافة عندما كان يحاصر حماة في عام (570ه/1174م) تحمل التشريفات والتقليد والتمليك، والتفويض ( ) وهذا دليل على رغبة الخلافة العباسية في التعامل الصادق مع صلاح الدين الذي رأت فيه الشخصية التي سوف تملأ الفراغ الذي تركه نور الدين محمود، واعتراف له بالسلطنة، وأنه أصبح الشخصية المؤهلة للدفاع عن المسلمين وقد أضفى هذا التقليد عليه، المهابة أمام الأمراء المسلمين بعامة، والصليبيين بخاصة والواقع أن صلاح الدين، على الرغم مما توافر له من القوة، كان بحاجة إلى مساندة الخلافة في صراعه مع الأمراء المسلمين المناوئين وبخاصة الزنكيين، لذلك كان يُطلعُ هذه الخلافة على تحركاته، ومنجزاته ليكسب تأييدها ( ) .

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق