إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 11 أغسطس 2014

188 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية المبحث الخامس:الإصلاح الاقتصادي وأوجه الأنفاق: ثامناً:الإصلاح الإداري:


188

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية

المبحث الخامس:الإصلاح الاقتصادي وأوجه الأنفاق:

ثامناً:الإصلاح الإداري:

كان لظهور الدولة الأيوبية أثر كبير في إحداث تطورات إدارية رئيسية، تخالف تقاليد الجهاز الإداري الفاطمي، فيذكر القلقسندي، بأن الدولة الأيوبية عندما ورثت حكم الفاطميين خالفتها في كثير من ترتيب المملكة وغيرت غالب معالمها ( ) ، إذ أن قدوم الأيوبيين من مشرق العالم الإسلامي حمل معه روحاً جديدة في الإدارة كان مصدرها، النظم السلجوقية والزنكية، والعباسية ولقد تعددت أوجه التغيير التي أدخلوها في الإدارة، من أبرزها ظهور مناصب إدارية جديدة مثل منصب نائب السلطنة ( ) ، الذي يعكس ظهور ضرورة خروج السلطان من البلاد نتيجة الحروب الصليبية، فكانت الحاجة إلى وجود من ينوب السلطان أثناء غيابه ( ) ، وقد قسّم صلاح الدين دولته إلى أقاليم إدارية يتمتع كل منها بإمكاناته الخاصة وطابعه المميز، مثل مصر والشام وشمالي العراق والنوبة والمغرب واليمن والحجاز وقضى أكثر سنى حكمه في ميادين القتال، يمارس سياسة التخطيط والتنفيذ والإشراف، وتوجيه سياسة الدولة العليا، ثم يترك حربة التنفيذ في الأمور المحلية، في الاستعداد والدفاع، للولاة وفقاً لظروف وإمكانات كل إقليم، وهو ما يُعبَّر عنه مفهومنا الحديث "اللامركزية". والحقيقة أن صلاح الدين لم يضع كافة السلطات في يده، على الرغم من أنه كان الحاكم الذي يدير دفة الحكومة المركزية، والراجح أنه أدرك أن توزيع السلطان يجعل من كل سلطة رقيبة على السلطة الأخرى، وموازنة لها في ممارسة اختصاصاتها كما أن تقسيم العمل بين عدة أشخاص أكفاء يحقَّق عدة مزايا تتعلق بإجادة العمل وسرعة إنجازه ( ) . وكانت القاهرة مركز حكومته، يقيم فيها نوابه، ووزراؤه، ومنها تصدر أوامره إلى مختلف الأقاليم وكانت بلاد الشام محور حروبه وجهاده ضد الصليبيين ( ) .

وقد أسند مهام مناصب الدولة القيادية إلى أولاده وأقربائه وأخلص الناس إليه، وذلك لحماية نظامه ومنهجه في الحكم، والقيادة. وكان يعتمد في اختيارهم على العقل، حتى أنه عزل ابنه الملك الظاهر غازي عن إمارة حلب وأعطاها لأخيه العادل حينما استدعت مصلحة الدولة ذلك، , وإذا ضَّم إمارة إسلامية يُبقى على حاكمها إذا وافقوا على الدخول في تبعيته، وتنفيذ سياسته التي تخدم أهدافه، بل الأهداف الإسلامية العامة، ومن يرفض يتركه يذهب حيث يشاء وكان يستعمل الأساليب السلمية للتفاهم معهم، وإذا خرج أحد الولاة على حكمه، يتغاضى عن أخطائه، ويستقبله ببشاشة، ويبالغ في إكرامه، مثلما فعل مع تقي الدين عمر حينما أراد الخروج على طاعته والتوجه إلى المغرب بسبب عزله عن ولاية مصر، وكان يراعي المصلحة العامة في تعيين وعزل الولاة؛ بالإضافة إلى الظروف السياسية والعسكرية للدولة، واتسمت سياسته بالعدل والتواضع، ولا يجرح شعور أحد، ولا يتعالى على أحد، ولا يتغرطس على أحد، ولم يكن الاستبداد من طبيعته ( ) .

- بهاء الدين قراقوش : من رجال الإدارة الأيوبية :

كان بهاء الدين قراقوش عبداً رومياً، فّر من إحدى قرى آسيا الوسطى وانتقل من بلد إلى بلد حتى وصل إلى بلاد الشام ثم التحق في خدمة أسد الدين شيركوه الذي توسم فيه النجّابة والشجاعة، فقَّربه من نفسه، وطفق يدربه على أعمال الفروسية وينمّي فيه المواهب الحربية وتسمّى في دمشق باسم بهاء الدين بن عبد الله الأسدي، ووصف بالأسدي نسبة إلى أسد الدين شيركوه الذي اشتراه وقام على تهذيبه وتعليمه، وكان سبباً في اعتناقه الإسلام، وما لبث بهاء الدين أن ارتقى في سلّم الجيش حتى وصل إلى مرتبة الإمارة وكان على رأس هذا الجيش قائده البطل أسد الدين شيركوه وهو الذي دخل مصر في أواخر الدولة الفاطمية، ثم انتهى الأمر على يد القائد صلاح الدين الأيوبي فيما بعد إلى إزالة هذه الدولة وإنهائها وإقامة الدولة الأيوبية مكانها : ومعنى قراقوش في اللغة التركية "العقاب" وهو الطائر الأسود المعروف، وبه سمي الإنسان لشهامته وشجاعته، واللفاظ مكّون من كلمتين هما (قره) بمعنى أسود (قوش) بمعنى طائر أو نسر ( ) وذكر ابن حلكان شيء من سيرته فقال: وقيل خادم أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين، فأعتقه، ولما استقَّل صلاح الدين بالديار المصرية جعله زمام القصر، ثم ناب عنه مّدة بالديار المصرية وفوض أمورها إليه واعتمد في تدبير أحوالها عليه، وكان رجلاً مسعود وصاحب همّة ( ) عالية وترجم له ابن كثير في البداية والنهاية : كان الأمير بهاء الدين قراقوش عالماً فقيها، إلا أنه كرس نفسه للخدمة الإدارية والعسكرية ( ) . وكانت حياة الأمير بهاء الدين قراقوش حافلة بالإنجازات العظيمة والبطولات والإخلاص للإسلام والمسلمين خلال ملازمته القائد صلاح الدين الأيوبي وكذلك بعد وفاته مما جعله محط كيد الحاسدين وأعداء الإسلام والمسلمين ( )  ومن الأعمال التي أسندت إليه وقام بها خير قيام.

•حراسة القصر الفاطمي:

حيث أسند إليه صلاح الدين أن يحرس القصر الفاطمي حتى لا يتصل من ذخائره شيء إلى خصوم أهل السنة فقام الأمير قراقوش بهذه المهمة خير قيام، وحرس القصر الفاطمي بعين لا تنام وعبثاً حاول المتآمرون أن يحصلوا على المال اللازم لهم في الإنفاق على هذه المؤامرة فلم يَفلحوا وكان ذلك من العوامل التي ساعدت على إحباط المؤامرة ( ) ، وهي مؤامرة مؤتمن الخلافة وقد تم الحديث عنها. وكان قصر الدولة الفاطمية يضم من الذخائر، مالا عين رأت. كسوة فاخرة وعقوداً ثمينة وذخائر فخمة وجواهر نفيسة من ياقوت وزمرد ومصوغات ذهبية وأوان فضية وقلائد ودرراً، فقام الأمير قراقوش بحراسة هذه الذخائر على خير وجه إلى أن أظفر الله القائد صلاح الدين ومكنّ له في الأرض ( ).

•بناء قلعة الجبل :

لما رجع القائد صلاح الدين من الشام وشاهد ما أنجزه الأمير بهاء الدين من إنجازات خلال غيابه أظهر فيها الأمير براعة وخبره هندسية واسعة، أمره أن يبني له قلعة تحمى مصر وترك له الخيار في مكانها وحجمها، وقد اختار الأمير بهاء الدين قطعة مرتفعة في جبل المقطّم، تشرف على القاهرة كلها، لتكون مكاناً للقلعة وباشر بعمارتها عام 572ه وكانت عمارة القلعة، ضمن مجموعة تحصينات وتدابير عسكرية اتخذها الأيوبيون لتأمين مدن مصر كالفسطاط والقاهرة، ولذا حفلت عمارتها في الخارج بالتحصينات والأبراج والبوابات المنيعة، فيما اشتملت منشآتها الداخلية على أبنية سلطانية رفيعة كانت محل إعجاب كل من زارها أو صفها من رحالة ومؤرخين وشيّد بناء القلعة على هضبة صخرية مرتفعة مما زاد في صلابتها ومنعتها ( ) . ويقول ابن جبير في رحلته : وشاهدنا أيضاً بنيان القلعة وهو حصن يتصل بالقاهرة، حصن حصين المنعة يريد السلطان أن يتخذه موضع سكنه، ويمد سوره حتى ينتظم بالمدينتين مصر والقاهرة والمسخرون في هذا البناء والمتولون لجميع امتهاناته ومؤنته العظيمة كنشر الرخام ونحت الصخور والعظام وحفر الخندق المحدق بسور الحصن المذكور، وهو خندق ينقر بالمعاول نقراً في الصخر عجباً من العجائب الباقية الآثار ... العلوج الأسارى من الروم عددهم لا يحصى كثرة ولا سبيل أن يمتهن في ذلك البنيان أحد سواهم ( ) .

•بئر يوسف:

جعل الأمير بهاء الدين داخل القلعة بئراً عجيباً نقر في الصخر نقراً عميقاً جداً ولايزال البئـر حتى يومنا هذا ويُدعى بئر "يوسف" وقد سميت هكذا نسبة إلى يوسف صلاح الدين ( ) وقد ذكر الأستاذ علي باشا مبارك : والبئر المعروفة بالحلزون الموجودة بالقلعة هي من عمل قراقوش في أيام صلاح الدين، عملت لأجل وجود الماء في داخل القلعة بواسطتها إذا حصل لها حصار من عدو ( ) .

•سور القاهرة والقلعة ومصر:

قام الأمير بهاء الدين بعد بنائه للقلعة في عام 567ه بمد سور القاهرة الفاطمي الشمالي إلى الغرب حتى يلتقي بميناء المقسي على النيل وموضعه الآن مسجد الفتح الجديد بميدان رمسيس وهو نفس الموضع الذي كان يشغل مساحته جامع أولاد عنان قبل نقله، كما قام بمد سور من الشرق حتى يتصل بالسور الفاطمي الشمالي القديم الذي كان يقع شرقي حي الدرب الأحمر وقام بمد سور ثالث من جنوب القلعة حتى يتصل بباب القرافة إلى مدينة الفسطاط بمسافة قدرها خمسة كيلو مترات ونصف ( ) . وقد كان هذا السور الذي بناه الأمير قراقوش ثالث الأسوار التي أحاطت بالقاهرة إلى عهده. أما الأول فكان قد بناه القائد الرومي جوهر الصقلي. وأما الثاني فكان قد بناه الوزير لأمير الجيوش بدر الجمالي الفاطمي وكان هذان السوران الأولان قد بنيا من اللبن، أما الثالث فقد بناه الأمير قراقوش من الحجارة ( ) . وامتد السور حول المدن الأربعة التي كونت مدينة القاهرة في عهده وهي : مدينة (الفسطاط) التي أنشأها الفاتح عمرو بن العاص رضي الله عنه ومدينة (العسكر) التي أنشأها صالح بن علي العباسي ومدينة (القاهرة) التي أنشأها جوهر الصقلي، ومدينة مصر، ويعتبر سور القاهرة العظيم من أعظم المنشآت الحربية التي بنيت في عصره، وكان المتصدي للإشراف على هذا الأعمال الأمير بهاء الدين قراقوش، فقد أظهر براعة وخبرة واسعة وهمّة عالية في بناء المنشآت الحربية فكان صلاح الدين كلما احتاج إلى عمارة أي منشأة حربية استعان على بنائها بالأمير بهاء الدين ( ) .

•قناطر الجيزة وقلعة المقسى:

ومن العمارات والمنشآت الحربية التي شادها الأمير بهاء الدين قناطر الجيزة الواقعة تحت الجسر الموصل بين النيل والأهرام تجاه مدينة مصر ( )، وذكر أنه هدم الأهرام الصغيرة المبعثرة في الجيزة وأخذ أحجاراً لبناء القناطر ( ) ، ومنها قلعة المقسى وهي عبارة عن برج كبير بناه الأمير بهاء الدين في محل قنطرة الخلفاء بجوار الجامع في نهاية سور القاهرة عند باب البحر ومحلها اليوم المكان القائم عليه عمارتا الأوقاف وراتب باشا المجاورتان لجامع أولاد عنان في الجهة البحرية الشرقية بميدان باب الحديد ( ) .

•توليته على عكا وترميم سورها:

في شهر المحرم من سنة خمس وثمانين وخمسمائة (585ه) سار القائد صلاح الدين إلى عكا وأقام بها يصلح أحوالها : ورتب فيها الأمير بهاء الدين قراقوش وأمر بعمارتها وعمارة سورها ( ) . وسيأتي الحديث بإذن الله عن عكا وما حذث بها.

•أصل المثل القائد (حُكم قراقوش):

 كان قراقوش من أروع القادة وأشجعهم، ولقد وقع مرّة في الأسر فافتدي بعشرة آلاف دينار وفرح به صلاح الدين فرحاً شديداً .. ويبدو أن سياسته في القاهرة كانت حكيمة وحازمة في إزالة الفاطميين وتضييق الخناق على بقاياهم، لذلك لم يجدوا سبيلاً لمحاربته إلا بالإشاعات وتشويه السمعة حيث وضعوا عنه كتاباً أسموه "الفاشوش في أحكام قراقوش" وهي الإشاعات التي يردها معاصرونا بغباء ( ) ، وذكر ابن خلكان أن الناس ينسبون للأمير بهاء الدين قراقوش "أحكاماً عجيبة في ولايته نيابة مصر عن صلاح الدين، حتى أن الأسعد بن مماتي له في كتاب سمّاه "الفاشوش في أحكام قراقوش" وفيه أشياء يبعد وقوع مثلها منه والظاهر أنها موضوعة، فإن صلاح الدين كان يعتمد في أحوال المملكة عليه، ولولا وثوقه بمعرفته وكفايته ما فوضها إليه ( ) . لقد كان كتاب الأسعد بن مماتي "الفاشوش في حكم قراقوش" هو أصل المثل الذي انتشر في كل الأمصار من تاريخ صدوره حتى تاريخنا المعاصر، وهو كتاب صغير الحجم تضمّن حكايات ونوادر ساخرة كتبت باللغة العامية، تنال من الأمير بهاء الدين قراقوش وتظهره على عكس مظهره الحقيقي، وتجعل منه شخصية فكاهية على نمط شخصية "جحا" في التراث الشعبي الفكاهي. وقد أراد مؤلفه ابن مماتي النيل من الأمير بهاء الدين قراقوش ( ) ، وقد ذهب ابن خلكان إلى أن كتاب " الفاشوش " كله موضوع وذلك لأن الأسعد بن مماتي كان مقرباً بل جزءً، من البلاط الأيوبي فكيف يستنكر ويشنّع على النظام الذي هو جزء منه ( ) .

وفي حقيقة الأمر أن الدافع من كتابة هذا الكتاب الذي يمسى الأمير بهاء الدين، وصلاح الدين والدولة الأيوبية برمتها، وراءه حملة دعائية وسياسية دبرت للنيل من السلطان صلاح الدين والدولة الأيوبية في أوج انتصاراتها، وأريد بنشره الإساءة لهذه الدولة التي كان لها دوراً بارزاً في القضاء على الدولة الفاطمية ودحر الصليبيين الغزاة، ومما يمكننا الجزم به أيضاً أنّ كتابة الكتاب بصيغة رسالة "نصيحة" إلى السلطان صلاح الدين وباللغة العامية يدل على دهاء كاتبها وسوء طويته وقد استطاع أن يحقق مأربه ويشهد على ذلك سرعة انتشار ما تضمنه الكتاب من أكاذيب وتردادها على ألسنة الناس على أنها حقائق حتى أن السيوطي تأثر بها وراها لطلابه – كما ظهر في مخطوطة باريس – مع اعترافه بأن الأمير بهاء الدين قراقوش كان رجلاً صالحاً غلب عليه الانقياد إلى الخير ( ) . إن هذف كتاب الفاشوش في حكم قراقوش، وهو هز الثقة في الأمير بهاء الدين وهو من قادة صلاح الدين البارزين ومساعديه الأمناء الذين استعان بهم في الملمات، وبالتالي تأليب الناس وتحريضهم على الدولة الأيوبية "السُّنية" التي أنهت بمجيئها الحكم الفاطمي الشيعي وما الكتاب إلا وسيلة من وسائل الدعاية السياسية ضد المشروع السني.


يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق