إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 11 أغسطس 2014

154 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي: أولاً:القاضي الفاضل: 9-دعوته إلى الوحدة بعد وفاة صلاح الدين :


154

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:

أولاً:القاضي الفاضل:

9-دعوته إلى الوحدة بعد وفاة صلاح الدين :

 ظلّ القاضي الفاضل محافظاً على مكانته المعنوية في البلاد بعد وفاة صلاح الدين فاهتم العزيز عثمان ملك مصر بأمره وأكرمه، واتّخذ منه ناصحاً ومشيراً إلا إن القاضي الفاضل لم يظهر تهافتا أو اندفاعاً على التدخل في أمور الدولة، فقد آثر الانعزال عن العالم السياسي وتكريس الأعوام الباقية من حياته لمدرسته الفاضلية، ولا شكّ في أن اعتزاله السياسة في هذه الفترة يعود إلى أسباب عدة منها: أنه فقد بوفاة صلاح الدين الرجل الذي فيه وضع كل آماله وتوصل في عهده إلى مركز عالٍ لم يكن غيره يحلم بالوصول إليه في عهده، كما كرس قسماً كبيراً من حياته في نصحه وإرشاده ووهبه كل ما في وسعه من محبة وإخلاص، حتى أصبح لا يطيق الابتعاد عنه في حياته، فكيف بعد موته وافتقاده صلاح الدين ويأسه من الحياة بعد موته ظاهرات في عدد من رسائله التي أشار فيها إلى أمنيته بلقاء صلاح الدين في الآخرة : وما بايعنا الدنيا على أنّا خالدون فيها مع الأحبّة ولا أن الموت غير زايرنا وإن أطال الغبّة، والأحبّة الراحلون عنّا، إن اشتقنا إليهم فإنّ الأيام مراحلنا التي تدينا منهم، والأنفاس خطواتنا التي تخطو بنا نحوهم، فنحن في كل يوم سايرون إليهم، وفي كل يوم قادمون عليهم، فكيف لا ينقص الحزن بمقدار ما ينقُص من المسافة () ، ولم يترك مناسبة تمر من دون ذكر صلاح الدين، فقد كان إذا رأى معارفه تذكّره، وإذا رأى الناس من حوله وردت صورته لخاطره، ذكر لعماد الدين في إحدى رسائله قوله: وَلِسَلْوة الأيام موعد هو الحشر، وأن ليلة لقائه هي ليلة القدر، ولقد حيَي فطابت الحياة، وتوفاه الله فطابت الوفاة وإن امرءاً يحسن به الضدان وَهُما ما هما، ومولى يطيب به الطوران، والحياة بالطيب أولاهما، لمعزوره فيه القلوب إذا خضعت تحت وطأة الخفقان، والجفون إذا أمردت عليها مؤرة الهملان () . كما أنه لم يعد المحرك السياسي للدولة بعد وفاة صلاح الدين، فقد تقسمت الدولة وتقسمّ العمل الذي كان يقوم به زمن صلاح الدين بين أشخاص عديدين، بينهم أشخاص لم يكن راضياً عن تصرفاتهم، زمن تنفّذه، كصفي الدين بن شكر وزير الملك العادل، وضياء الدين وزير الملك الأفضل، الذي حاول أن يبعده عن أصحاب أبيه ومستشاريه منذ البداية، ولقد أدرك القاضي الفاضل نهاية مسيرته بوفاة صلاح الدين، وعبّر عن مشاعره ببعض رسائله الإخوانية، يذكر في إحداها: وقد تبّرمت بالحياة، فبعد أن كنت ممن أخدمه بمكان العين صرت بمكان القذاة، والأعمار أكثرها الأكدار إلاّ إن أشدّها مؤونة ما كان في أواخر المدد حيث يكون المرء في أواخر الجلد () . ويمكن القول أنه تبّدد بوفاة صلاح الدين حلم كبير كرّس القاضي الفاضل له قسطاً كبيراً من حياته، فقد تقسّمت البلاد التي طالما سعى لتوحيدها وتقويتها بين أبناء صلاح الدين الذين راحوا يتنافسون في شأنها ويتناحرون مدفعين بأنانيتهم مُغفلين أمر العدوّ الرابض على حدودهم، فراح يدعوهم إلى التحالف ويحاول التقريب بينهم، ولم يترك مناسبة تمر دون أن يذكّرهم بضرورة توحيد الصف " فكتب للملك الظاهر بن صلاح الدين ضمن رسالة عزاء بوالده يقول : وأمّا لائح الأمر فإنه إن وقع اتفاق فما عدتم إلا شخصه الكريم وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلية أهونها موته وهو الهول العظيم () وقد قام القاضي الفاضل بدور في الصلح بين العزيز عثمان بن صلاح الدين ملك مصر، والأفضل بن صلاح الدين ملك الشام () وعمل على شّد أزر العادل أبي بكر أخي صلاح الدين، أكبر أقارب صلاح الدين وأكثرهم خبرة لكي يقف وقفات صامده كأخيه ضد الخطر الصليبي فكتب له في إحد رسائله سنة 593ه/1196م : وما تجدّد من وصول العدو اللعين إلى جانب بيروت وخطر البلاد ما أذهل كل مرضعة وأوقع في ضائقة تنفق الأفكار فيها من سعة، وللإسلام اليوم قدم وإنْ زلّت زلّ وهمّة وإن ملّت فإن النصر منه ملّ، وتلك القدم قدم العادلية وتلك الهمّة الهمّة السابقة السيفية، فالله الله ثبتوا ذلك الفؤاد ودقّوا ذلك المهاد، واسهروا في الله، فليست بليلة رقاد، ودقّوا ذلك المهاد، واسهروا في الله، فليست بليلة رقاد، ولا يُنظر في حديث زيد ولا عمرو، ولا أن فلانا نفع وضر، ولا أن من الجماعة من جاء ولا أن فيهم من مر أنظروا إلى أنكم الإسلام كله برز إلى الشرك كله، وأنكم ظل الله، فإن صّممتم تلك النسبة فإن الله لا ناسخ لظلّه، واصبروا إن الله مع الصابرين ولا تهونوا، وإن ذهب الناصر فإن الله خير الناصرين، فما هي إلا غمرة وتنجلي وهَيْعة وتنقضي وليلة وتصبح، وتجارة وتربح () . لكنّه شاهد بعض المدن يسقط ثانية في يد الفرنج، فراح يتحسّر على انفراط العقِد الذي جمعه مع صلاح الدين، ويزداد بأساً وانعزالا وكان للأمراض التي تراكمت على القاضي الفاضل أثر في ابتعاده عن الجّو السياسي، فقد كان ضعيف البنية كثير المرض، وكان هذا يؤخّره عن الاشتراك في بعض الغزوات عندما كان صلاح الدين حياً، وفي رسائله كثير من الإشارة إلى مرضه وضعفه اللذين ازدادا بعد وفاة صلاح الدين ()، وقد ذكر في إحداها إلى صديقه العماد الأصفهاني قوله : وسيدنا يعلم كيف حال الكبير إذا فقد الصغير، والضعيف المتثاقل إذا نودي للنفير، ما كأني عرفت الأيام، إلا في هذه الأيام، ولا كأن الدنيا لبستها إلا على أن يخلعني الحِمَام، فقد توقعت أمر الله أن يطرقني بياتاً وأنا نائم، أو ضحى وأنا هائم () ، كما كتب إليه في إحدى رسائله يصف حالته الجسمانية قائلاً : وأصدرت هذه الخدمة ورجلاي قد عام النقرس إلى تقييدهما وتصفيرهما بالألطخة وتسويدهما، جنبي طريح، وما فيّ صحيح إلا سقمي فإنه صحيح وإذا خلوت إلى شيطان المرض أصيح () . وكتب إليه رسالة أخرى قائلاً : وأما أحوالي في جسمي فلا تسأل عن تداعي البنية، المفاصل مذهبة، والأسنان مضمدة والنقرس يغلي، وزيادة كالنقص زيادة العصا في ظليّ () . ووصف أوجاعه في آخر حياته للعماد أيضاً بقوله : وأخلاق الغلمان وما أدراك ما هيه نار حامية، وقد صرت أرى الصبر على الضرورة أولى من الابتلاء بهم في الخدمة، فأجوع ولا أقول أطعموني، وأظمأ ولا أقول اسقوني، وألقيت بيدي وقلت مرّوا، ومددت رجلي وقلت جرّوا () .

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق