إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الخميس، 7 أغسطس 2014

150 موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي: أولاً:القاضي الفاضل: 5-القاضي الفاضل والإحياء السني في مصر:


150

موسوعة تاريخ الحروب الصليبية (3)صلاح الدين الأيوبي

الفصل الثاني:قيام الدولة الأيوبية

المبحث الرابع:مكانة العلماء والفقهاء عند صلاح الدين الأيوبي:

أولاً:القاضي الفاضل:

5-القاضي الفاضل والإحياء السني في مصر:

كانت الإسكندرية مركزاً للإحياء السني في مصر، وقد تمّ ذلك على يد علماء قصدوها من المغرب مثل أبي بكر الطرطوشي، ومن المشرق مثل السلفي، وأسسوا فيها مدارس كان لها أثر كبير في الإحياء السني وفي حركة الجهاد ضد الفرنج وهذا يفسر مساندة أهالي الإسكندرية لأسد الدين – وصلاح الدين – وأمّا القاهرة فلم تحظ كالإسكندرية بمدارس وفقهاء للسنّة، ولكن الوضع تغير مع ظهور صلاح الدين على المسرح السياسي. فمع أن نور الدين وأسد الدين كان قد استفاد من بعض أهل السنة قبل وزارة صلاح الدين للحصول على مؤازرة شعبية لحركتهما داخل مصر، فإن هذه العناصر وحدها لم تكن كافية، وكان هناك حاجة إلى ثورة ثقافية في مصر يتم من خلالها إعادة مصر إلى المذهب السني بالتدريج، وقد بدأ صلاح الدين إصلاحاته في مصر، وحتى قبل القضاء النهائي على الفاطميين بتأسيس عدد من المدارس على المذاهب الأربعة بني أولها للمذهب الشافعي على أنقاض حبس المعونة، السجن الذي ضم الكثير من قادة مصر سنة 566ه/1170-1171م ولعلها أصبحت أول مدرسة من نوعها في مصر، كما أنشأ سنة 566ه/1170م مدرسة للمالكية في جوار جامع عمرو بن العاص عُرفت بالقمحية، وأسس تقي الدين عمـر بن شـاهنشاه بن أيوب، ابن أخي صلاح الدين، مدرسة للشافعية أوقف عليها عدة أماكن (). كانت هذه المدارس بداية حركة بنائية سنية ساهم فيها كثيرون من الأيوبيين وأمرائهم خلال حكم صلاح الدين في مصر فيما بعد، كما ساهم فيها القاضي الفاضل بمدرسة من أغنى هذه المدارس، إذ رصد فيها قسماً كبيراً من خزانة كتب الفاطميين وإن تكن فكرة إنشاء المدارس السنية مستوردة من الشام على غرار ما فعله نور الدين فيها من إنشاء مدارس شبيهة بمناهجها وموضوعات تدريسها في المدرسة النظامية ببغداد، فإن تمويل هذه المدارس واختيار المدرسين فيها كان ضمن مسؤوليات القاضي الفاضل، فمن ضمن إصلاحاته الإدارية في فترة وزارة صلاح الدين فصلُ ديوان الأحباس الفاطمي الذي كان يشرف على إدارة المؤسسات الدينية وتمويلها وتزويدها عن ديوان الأموال، وجعله ديوانا مستقلاً تحت إدارة الوزير مباشرة، أي صلاح الدين، قبل القضاء على الفاطميين وتحت إدارته هو بعد القضاء عليهم، ومن ثم فقد كان المسؤول الأكبر عن إدارة هذه المؤسسات المهمة، وعن اختيار المّدرسين فيها وقّراء القرآن والحديث والوّعاظ والأئمة () ، وكان هؤلاء جميعاً من وسائط التغيير وكان من المعروف أن صلاح الدين كان يعتمد على خبرة القاضي الفاضل في اختيار هؤلاء وهو في مصر، وظل على ذلك عندما انتقل إلى الشام، إذ كان يستشيره في الناحيتين التربوية والدينينة وبعد أن هيّأ صلاح الدين المصريين للانقلاب وقلّم أظفار المؤسسة الفاطمية، كما ذكرنا، بداً بالأعداد للقضاء نهائياً على شعائر الخلافة الفاطمية – ففي سنة 565ه/1169م أبطل الأذان "بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر" ويعلق المقريزي بأن هذه أول وصمة دخلت على الدولة () .

تم أمر بعد ذلك في يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة 565ه/1169 – 1170م، بأن يذكر في خطبة الجمعة الخلفاء الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان ثم علي () .
وأمر بعد ذلك بأن يُذكر العاضد في الخطبة بكلام يحتمل التلبيس على الشيعة فكان الخطيب يقول: اللهم أصلح العاضد لدينك () .
وولىّ القضاء في القاهرة للفقيه عيسى الهكاري، وهو كردي من أقرب المقّربين إلى صلاح الدين وقد فعل هذا كبداية لتحويل الولاء في القاهرة التي كان أغلب أهلها من الإسماعيلية () .
كما عزل قضاة مصر من الشيعة، واستولى بعدها على ممتلكات العاضد وعلى القصور وسلّمها إلى الطواشي بهاء الدين قراقوش الأسدي، فتحكم في مصر وصار يراقب كل صغيرة وكبيرة فيه، حتى أصبح الخليفة العاضد كالمعتقل في قصره ().
وفي بداية سنة 567ه،1171 – 1172م قطع صلاح الدين الخطبة للفاطميين وكان قطعها بالتدريج أيضاً، ففي الجمعة الأولى في محرم 567ه/1171 – 1172م حذف اسم العاضد من الخطبة، وفي الخطبة الثانية خُطب باسم الخليفة المستضيء بأمر الله أبي محمد الحسن بن المستنجد بالله. وقطعت الخطبة الفاطمية (). وقد توفي العاضد في العاشر من محرم 567ه/1171 – 1172م () . وقد اختلفت هذه العاشوراء عما تعود المصريون عليه من أشراف الدولة الفاطمية على البدع في يوم عاشوراء، من خطب مدمية للقلوب وينعتون إلى مراث مؤثرة في آل عليّ رضي الله عنه تشير في نفوسهم الكثير من الأحقاد بواسطة القصص الموضوعة والأكاذيب المفضوحة ويسبون الخلفاء من راشدين وأمويين، ثم يتصرفون إلى بيوتهم ليأكلوا القمح المسلوق والعدس وغيرها من المأكولات التي توارثتها أجيال بعدهم، وعرفت بعاشوراء حتى وقتنا الحاضر، ثم يصبحون في اليوم التالي ليبدأ عاماً جديداً من حياتهم، وأنظارهم موجهة إلى حكامهم وكان الخليفة يحتجب في قصره يوم عاشوراء وعند الضحى يركب قاضي القضاة والشهود في لباس خاص ويذهبون إلى مشهد الحسين المزعوم، فيجلسون ومعهم قرّاء القصر، والخطباء، فيدخل الوزير في صدر المجلس وعلى جانبيه القاضي والداعي، ويشرع القّراء في تلاوة القرآن نوبة نوبة والجميع خشوع، وما أن ينتهون من قراءتهم حتى يقوم الشعراء، وهم عادة من غير شعراء القصر، فينشدون أشعاراً أعدّوها لهذه المناسبة المهمة وكانت أشعارهم رثاء أهل البيت، فإن كان الوزير رافضياً تغالوا، وإن كان سنّياً اقتصدوا. ويظلون على هذه الحال مدة ثلاثة ساعات، وبعد الانتهاء من القراءة والإنشاد كانت تأتيهم رسل الخليفة تستدعيهم، فيغادر أول من يغادر الوزير وهو بمنديل صغير إلى بيته وأما قاضي القضاة والداعي ومن رافقهما فيذهبون إلى باب الذهب من القصر، حيث يرون منظراً يختلف عمّا تعوّدوا عليه، فالسجاجيد الثمينة قد طويت لتحل محلّها حصر بسيطة، وصاحب الباب جالس ينتظرهم. فيجلسون، والناس من وجهاء البلد والعلماء والفقهاء والعسكر حولهم أو بجانبهم، فيقرأ قّراء القرآن ثانية، كما ينشد المنشدون فيُكون الحاضرين ثانية ثم يفرش سماط الحزن وفيه نحو ألف زبدية من العدس والملوحات والمخلّلات والأجبان والألبان وأعسال النحل والفطير والخبز المغير لونه بالقصد. ووقت الظهر يقف صاحب الباب وصاحب المائدة فيُدخلان الناس للأكل، فيكون أول الداخلين القاضي والداعي ويجلس بقربهما صاحب الباب نيابة عن الوزير، ثم يدخل من يريد أن يأكل من الناس، وبعد الانتهاء من الأكل يغادر الجميع القاعدة ويطوف النائحون في القاهرة، ويغلق التجّار حوانيتهم حتى العصر ثم يفتحونها (). وتعود الحياة إلى طبيعتها بعد هذه البدع. ولكم اشترك القاضي الفاضل في هذه الاحتفالات بحكم عمله وقربه من المؤسسة الفاطمية، لكنَّ هذه العاشوراء اختلفت عما تعود المصريون عليه، فليس، هناك قاضي قضاة، ولا داعي دعاة لأنهما عُزلا، وليس هناك منشدون ولا نائحون يطوفون في شوارع القاهرة، لأن اليوم كان معّداً لنوع آخر من الاحتفال، وهو الاحتفال بالقضاء على هذه الطقوس والمراسيم التي مارسها المصريون أكثر من مائتين عام، والقضاء على واضعي هذه الطقوس والمراسيم بشتى رموزها ومفاهيمها، ولم يذهب صلاح الدين إذا إلى المشهد الحسيني – المزعوم – كعادة الوزير، بل ذهب إلى جامع عمرو بن العاص للصلاة فصلّى ومعه عدد من أهالي الشام ومصر، وجلس بعد الصلاة جانباً وبقربه القاضي الفاضل يتباحثان فيما أنجزاه منذ الجمعة السابقة التي تّم فيها إلغاء الخلافة الفاطمية، وأثبتت فيها الدعوة للخليفة العباسي فدخل أحد الجنود مسرعاً وتوجّه إليهما وقال لهما شيئاً وخرج، فنظر كل من صلاح الدين والقاضي الفاضل أحدهما إلى الآخر فغمز القاضي الفاضل إليه وابتسما ابتسامة ارتياح وحبور، ثم سرعان ما غيّر صلاح الدين تعبير وجهه، وقال: لو عرفنا أنه، أي الخليفة العاضد، يموت في هذا اليوم ما عصضاه برفع اسمه من الخطبة. فضحك القاضي الفاضل وردّ عليه قائلاً : يا مولاي لو علم أنكم ما ترفعون اسمه من الخطبة لم يمت () ، فابتسم الحاضرون لهذه المداعبة الكلامية، بين الوزير صلاح الدين وكاتبه أو مستشاره التي انطوت فيها آخر صفحة من صفحات تاريخ الدولة الفاطمية فقد توفي العاضد آخر الخلفاء في هذا اليوم، يوم عاشوراء سنة 567ه/1171م أي يوم ذكر مقتل الحسين بن علي () .

يتبع

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق