إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 10 يناير 2016

988 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثاني والخمسون الدولة تحية الملك


988

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
 
الفصل الثاني والخمسون

الدولة

تحية الملك

وكانت لملوك الحيرة وملوك الغساسنة وغيرهم من ملوك الجاهلية تحيات تختلف عن تحيات سائر الناس. لأن الملك يحيا بتحية الملك المعروفة للملوك التي يباينون فيها غيرهم..ومن حياتهم: أبيت اللعن، وأسلم وانعم، وانعم صباحاً، وعش ألف سنة. "وكانت تحية ملوك العجم نحواً من تحية ملوك العرب، كان يقال لملكهم: زه هزار سال ؛ المعنى: عش سالماً ألف عام".

وذكر بعض علماء اللغة أن "أبيتَ اللعن:كلمة كانت العرب تحيي بها ملوكها في الجاهلية، تقول للملك: أبيت اللعن، معناه أبيت ايها الملك ان تأتي ما تلعن عليه. واللعن: الإبعاد والطرد من الخير". وذكروا ان أول من حيي بتحية الملوك: "أبيت اللعن" و "أنعم صباحاً" يعرب بن قحطان. وقد وردت تحية "أبيت اللعن" في شعر للنابغة الذبياني،يعتذر فيه للنعمان بن المنذر: أتاني-أبيت اللعن - انك لمتني=وتلك التي تستك منها المسامع وذكر أيضاَ ان اول من قيل له ذلك قحطان. وقيل: اول من حيي بها يعرب بن قحطان.

وذكر ان تحية الناس فيما بينهم: "أنعم صباحاً" أو "انعم مساء" أو "انعم ظلاماً"،و "عموا صباحاً" و "عموا مساء"، وذلك حسب المناسبات.

أما إذا حيوا الملك، قالوا له: "انعم صباحاً ايها الملك"، لهيبة الملك ولتعظيمه.

وقد ابطل الإسلام تلك التحية: بأن أحل السلام محلها. فلما دنا "عمير بن وهب" من رسول الله قال: "انعموا صباحاً"، فقال رسول الله: "قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛بالسلام تحية اهل الجنة". وقد صار السلام من العلامات الفارقة بين الشرك والإسلام.

وذكر ان التحيّة الملك. وفي هذا المعنى قولهم: حيّاك اللّه وبيّاك،أي اعتمدك بالملك. وفي هذا المعنى قول زهير بن جناب الكلبي: ولكل ما نال الفتى  قد نلته إلا التحية

أي إلا الملك، وذكر ان المراد بها هنا البقاء، لأنه كان ملكاً في قومه.

والتحية في قول "عمرو بن معد يكرب": أسير به إلى النعمان،حتى  أنيخ على تحيته بجنـدي

تعني ملكه. فالتحية الملك.

ويظهر ان بعض الجاهليين كانوا يحيون بتحية "حياك وبيّاك"،أو "حياك الله"، أو "حيّاك الله وبياك". ولا استبعد استعمالهم اسم صنم من الأصنام في موضع "الله" عند عباّد ذلك الصنم، كأن يقولون: "حياّك هبل"،وقد بقيت هذه التحية إلى الإسلام، ثم صارت: "حيّاك اللّه". وقد يخاطبون بها الملوك فيقولون: "حيا الله الملك". وذكر ان تحيات اهل الشام لملوكهم: "يا خير الفتيان".

والمعروف عن العرب أنهم لم يكونوا يسجدون للملوك ولساداتهم كما كان يفعل العجم. غير ان رواية وردت في "كتاب فتوح الشام" للواقدي تذكر ان "الياس"،وهو عم ملك الحيرة وصاحب حرسه، لما أدخل "سعد بن أبي عبيد القاري"، على الملك "النعمان بن المنذر"، "صاح به الحجاب والغلمان قبَّل الأرض للملك، فلم يلتفت اليهم". وفي هذا الخبر دلالة على ان أهل الحيرة كانوا إذا دخلوا على الملوك سجدوا لهم: كما كان يفعل ذلك غيرهم من الغرباء ممن يدخل على الملوك ولا سيما الفرس. وتتحدث هذه الرواية المنسوبة إلى الواقدي،بأن الملك النعمان، كان له كلام وجدل في موضوع الدين ورسالة الإسلام مع "سعد بن أبي عبيد القاري" رسول "سعد بن أبي وقّاص" اليه. وأنه لما طرد الرسول، قال "سعد بن أبي وقّاص": سأحمل فيهم حمـلة عـربـية  ولا أنثني واللّه عنهم بعسكري

فإما أرى النعمان في القيد موثقا  وإما طريحاً في الدماء المعفر

ثم أمر سعد بن أبي وقاص جمعه بالمسير نحو النعمان، فالتقى القعقاع بن عمرو التميمي أو بشر بن ربيعة التميمي بالنعمان في كبكبة من الخيل، فحمل القعقاع أو بشر على الكبكبة أو الكتيبة فمزقها ورمى النعمان بطعنة في صدره، فلما رأت جيوش الحيرة الملك مجندلاً، ولت الأبار تريد القادسية نحو جيش الفرس. والذي أجمع عليه المؤرخون واهل الأخبار، ان المنذر كان قد ذهب إلى العالم الثاني قبل الفتح،بزمن على نحو ما تحدثت عنه في الجزء الثالث من هذا الكتاب. وقد ذكرت ما قيل في موته من شعر نظمه شعراء معاصرون له، وما وقع من اصطدام بين العرب والفرس بسبب مطالبة "كسرى" بترَكته على ما يذكره أهل الأخبار. لذلك لا يمكن التصديق بهذه الرواية مع وجود ذلك الاجماع، ثم ان فيها معالم الصنعة والتزويق،ولا سيما في موضوع الحوار بين النعمان وبين رسول "سعد" اليه في موضوع الإسلام، مما يحملنا على القول بأن هذا الخبر قد أدخل فيما بعد أيام العرب في المشكلات التي تتعرض لها الدولة، والبت في القضايا المهمة وفي موضوع فرض الضرائب. وقد عرف هذا المجلس في دولة معين ب"مزودن معن" "مزود معين". وكان للسبئيين مجالسهم الخاصة بهم، تنظر في المسائل التي يحتاج ملوك سبأ إلى اخذ الرأي فيها والوقوف على رأي عقلاء الأمة للاستنارة برأيهم عند اتخاذ رأي وإقرار قرار.

ولا يعني وجود هذه المجالس ان النظام هناك كان نظاماً نيابياً انتخابياً، يجتمع الأحرار والوجهاء فينتخبون من يريدون ان يمثلهم أو يتكلم باسمهم انتخاباً على النحو المفهوم من الانتخاب في الزمن الحاضر. وإنما كانت عضوية المجالس بالوجاهة والمنزلة والمكانة، وتلك قضايا اعتبارية للعرف فيها الرأي والقرار، وأعضاء المجلس هم اعضاء فيه، لأنهم من رجال الدين أو سادات قبائل أو من كبار الموظفين، أو من اصحاب الأرض والمال، فهم في عرف ذلك اليوم الصفوة والخيرة، وعندهم العقل والرأي والسداد. وعلى هذا النحو من التمثيل تكون المزاود،اي مجالس الأمة.

وقد عرف أعضاء المزود ب "اسود"، اي "أسواد" "اسياد"، بمعنى سادة، وهم بالطبع من علية القوم وسادتهم. وفي ضمن هؤلاء ال "منوت" "منوات".

وكما تطلق الشعوب في الزمن الحاضر نعوت التفخيم والاحترام على مجالسهم التمثيلية، كذلك اطلقت الشعوب الماضية مثل هذه النعوت على مجالسهم. فأطلق العرب الجنوبيون لفظة "منعن" مثلاً على المزود، فورد: "مزود منعن" في بعض الكتابات، بمعنى "المزود المنيع". وربما أطلقت اللفظة على العضو في هذا المجلس كذلك. ولكننا لا نعرف ذلك في هذا اليوم معرفة أكيدة، وربما كانوا يطلقون نعوت تفخيم وتعظيم أخرى على أعضاء هذا المجلس.

وحصلنا من الكتابات على اسم لمجلس يسمما ب "طبنن"، وذلك في الكتابات القتبانية. وقد رأى بعض الباحثين انه مجلس كبار الملاكين. ورأى اخرون انه بمنزلة "المزود" بالنسبة إلى القبيلة، وانه مجلس أصحاب الأملاك،ورؤساء أفخاذ القبيلة المالكين، وانه يأتي بعد "المزود" في الأهمية عند القتبانيين،وانه كان ينظر في المسائل الخاصة بالملك والأرض وفي الضرائب التي تجبى عن الزراعة وفي تأجير الأرض، وما شاكل ذلك من موضوعات تخص الأرض والزرع. ويقول علماء اللغة إن "الطبن"، هو الرجل الفطن الحاذق العالم بكل شيء، ولعلهم أخذوا هذا التفسير من العرب الجنوبيين. في "طبنن"، هو مجلس عقلاء التخوم وحذاقهم والمتكلمين باسم القوم.

ولم يكن لسواد الناس ولا للطبقات الوسطى منهم،رأي ولا تمثيل في "الطبنن" ذلك لأن هذا المجلس هو مجلس كبار الملاكين للارض فقط. وكانوا يشتركون في الي "المزود". ونجد ذكر هذا المجلس، في كتابات يرى بعض الباحثين قبل من أواسط القرن الخامس قبل الميلاد.

ويقابل مجلس الملاِّكين "طبنن" القتباني مجلس عرف ب "مسخنن" "المسخن" في اللهجة السبئية. وقد أشير اليه في الكتابات السبئية القديمة وفي كتابات عهد "ملوك سبأ وذي ريدان".وأعضاؤه من الوجهاء وكبار الملاكين الذين ورثوا ملكهم من عقار وأرض.

وترد في الكتابات السبئية لفظة لها علاقة بمجلس يمثل طبقة خاصة في سبأ عرف ب "عهرو" "عهًر". ونجد هذا الاسم في الكتابات التي هي من القرنا الثاني قبل الميلاد فما بعده. ويظهر أنه كان مجلس اللأشراف من اهل الحسب والنسب من امثال الأشراف والنبلاء الذين عاشوا في اوروبة في القرون الوسطى. ولا يشترط في الطبقة المسماة بهذه التسمية ان تكون من كبار الملاكين وأصحاب العقار. والى هؤلاء يضاف من يقال لهم "ذ اعذر" "ذو اعذر". وهم طبقة من الاشراف لا يربط بينهم دم، ولا تجمع بينهم وبين القبيلة التي ينزلون بينها أو بين الناس الذين يعيشون بينهم، صلة رحم، ولا يملكون أرضاً، وإنما هم حلفاء وجيران، نزلوا بين قوم فصاروا مثلهم، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، يؤدّون ما يؤدّيه حليفهم من القبيلة من واجب وعمل، وعلى حليفهم مراعاتهم لانهم في جواره وفي حلفه.

هؤلاء هم أصحاب الرأي والاستشارة في الحكومات العربية الجنوبية، والمجالس المذكورة تنظر في مصالح المنتمين اليها وكلهم كما رأينا من اًصحاب الجاه والسيادة و السلطان.

وإذا أقر "المزود" موضوعا ووافق عليه، رفع القرار إلى الملك لإصدار أمره بتنفيذ ما توصل اليه، وتصدر القرارات بصورة مراسيم تشريعية ملكية تعلن للناس وتبلغ للقبائل لاقرارها وتنفيذها، وقد حفظت الكتابات جملة قرارات من هذا النوع. وتوقع المحاضر في الغالب بلفظة "مثبت" من أصل "ثبت"، وذلك دلالة على الموافقة والتأييد بصحة صدور القرار. وأن اقرار قد ثبت وصار أمراَ إلزامياً واجب التنفيذ.

واصطفى الملوك لهم حاشية من ذوي الرأي والعقل والتجربة، جعلوها هيأة استشارية، تقدم الرأي لهم، وقد عرفت ب"فقضت"، وب "بتل ".

فنحن في اليمن إذن بإزاء نظام يمكن أن نسميه نظام يمكن ان نسميه نظاما تمثيليا،وان لم يكن يمثل رأي الشعب تمثيلاً تاما، فلم تكن للاغلبية المكوّ نة للامة إرادة في اختيار ممثليهم للمجالس، كما هو المفروض والمطلوب من المجالس،فمن هنا لم يكن نظام الحكم في هذه البلاد نظام الحكم في هذه البلاد نظاما تمثيليا صحيحا ولكان تمثيلا من ناحية ضمه أصحاب اَلرأي والجاه والسلطان في الدولة، لمجالس "المزود" وإبدائها رأيها لحاكم البلاد، ولا سيما في المسائل الكبرى التي يتوقف عليها المصير،مثل إِعلان حرب،أو عقد صلح، أو إقرار ضرائب. نظام نستطيع أن نسميه نظام الأخذ بمبدأ استشارة ذوي الرأي والوجاهة والسلطان في المسائل الخطيرة التي تخص الدولة أو المجتمع وحدهم، فهو نظام شورويّ بالنسبة لأهل الرأي والمشورة، وهؤلاء وحدهم هم الذين يشاورون في الأمور. أما السواد، فلا رأي له. ومع ذلك، فهو أفضل من الحكم المطلق الذي يكون الملك فيه هو الكل في الكل، يفعل ما يشاء من غير حساب. وهو بالقياس إلى نظم الحكم عند الأشوريين أو البابليين لمن أو الفراعنة، نظام فيه "ديمقراطية" لا نجدها في قواعد حكم الشعوب المذكورة.

ولكن الدنيا لا تدوم على،حال واحد، فأخذ حكم المزاود يتقلص،وصار عدد من يأخذ بالرأي والمشورة من الملوك يقل حتى إذا جاءت الأيام المتأخرة من حكومة سبأ، صار الأمر للاقيال والأذواء وسادات القبائل، واضطر الملوك إلى النزول عن حقهم في الأرضين إلى أصحاب السلطان في مقابل اتفاقيات تحدد الواجبات والحقوق التي يترتب على هؤلاء الأقوياء الذين اغتصبوا الأرض اغتصاباً أداؤها للدولة. ويقوم صاحب السلطان الملاّك بايجار الأرض لأتباعه من آله أو من أهل قبيلته، مقابل أجر يدفعونه له، وهؤلاء يؤجرونها أيضاً لمن هم دونهم في المنزلة والدرجة. فتحولت الملكية بذلك إلى دولة اقطاع، أرباحها وحاصلها وناتجها وقف على طبقة ذوي الجاه والسلطان.

وفقد "المزود" مكانته، إذ انتزع الأقيال "اقول" منه السلطان، حتى قدموا أسماءهم في النصوص على اسم المزاود. فنجد أقيال "سمعى" "اقول سمعى" يقدمون اسمهم على اسم المزود، دلالة على خطر شأنهم وقوتهم، وعلى أن حكم "المزود" صار في الدرجة الثانية من خطر الشأن في هذه الأيام.

وقد تضاءل حكم "المزود"، بل زال من الوجود منذ القرن الثالث للميلاد فما بعده، فلا نكاد تجد له حكماً أو ذكراً في الكتابات، إذ انفرد الملوك والاقطاعيون الكبار بالحكم، وصار رأيهم هو الرأي الحق المقبول، وبيئة ينفرد فيها الأفراد بالحكم، وينتزع فيها من الأشخاص حق التعبير عن الرأي، هي بيئة لا يمكن أن يعمر فيها "المزود" أو أي مجلس كان من قبيله يقوم بالتعبير عن رأي الناس، وإن كان بصورة رمزية شكلية. لذلك نستطيع أن نقول إن العربية الجنوبية فقدت أهم نعمة كانت عندها، نعمة التعبيرعن رأي،والنظم اللامركزية بعد الميلاد. وزاد في تقليص حكم المجالس تدخل الحبش بصورة مستمرة في شؤون العربية الجنوبية، وانتزاعهم الحكم بالقوة من أصحابه الشرعيين وانفراد حكامهم وحدهم بالحكم، ثم اضطرار الملوك والأقيال و الأذواء إلى مقاومة الحبش الغزاة وحشد كل الطاقات البشرية لطرد الحبش من بلادهم، وأحوال مثل هذه لا تسمح بابداء رأي، فكان فيها موت تلك المجالس التي لم تكن كما قلت تمثل الشعب، لأنها لا تمثل السواد الأكبر،وإنما كانت تمثل أصحاب الوجاهة والسلطان ولكن وجود شيء فيه وقوف إزاء الملوك وتحد لسلطانهم إن أرادوا توسيعه، هو مهما كان نوعه خير من لا شيء ومن انفراد الملوك بالأمر دون خوف ولا رهبة من اعتراض، أحد ومن نقد ناقد.

هذا، ولم نعثر على نص بالمسند، ورد فيه ذكر لعدد أعضاء المزاود أو المجالس التمثيلية الأخرى. أما ما ذكره "الهمداني" من انه كان لحمير مجلس ينظر في أمور الملك واختيار الملك إذا مات الملك ولم يترك من يرثه، وان عدد أعضاء ذلك المجلس ثمانون قيلاً، لا ينقص ولا يزيد، وانهم إذا انتخبوا قيلاً منهم يكون ملكاً عند عدم وجود من يخلف الملك، أو عدم رضائهم عن الملك لسبب من الأسباب، فإنهم كانوا ينتخبون قيلا" جديداً ليكمل العدد المقرر، فإننا لا ندري أكان ذلك حكاية عن وضع الحكم في اليمن قبيل الإسلام، ام كان مجرد رواية من هذه الروايات الواردة عن الجاهلية، مما يرويه أهل الأخبار. وقد نحمل روايته محمل الصدق بالنسبة إلى مجمل الخبر. أما بالنسبة إلى ثبات العدد فأمر لا نستطيع أن نأخذ به ونقطع بصحة ما ورد فيه.

وظهرت في القرن الثاني قبل الميلاد فما بعده ظاهرة جديدة أخرى، قد تدلّ على ضعف شخصية الملوك، وتقلص سلطانهم، هي ظاهرة ذكر امم ولي العهد مع اسم الملك، وتلقيبه بلقب ملك تماماً كما يلقب الملوك. فجاء اسم نهفان مع ابنه "شعرم اوتر" "شعر أوتر"، دلالةً على أنهما حكما حكا" مشتركاً، وجاء اسم ملك، وجاء اسم ملك وجاء مع اسمه اسم أخيه يحكم معه ويحمل لقب الملك، وجاء اسم ملك ومعه اسم ابنين أو ثلاثة أبناء، يشاركونه في اللقب وفي الحكم، بل ورد اسم ملك ومعه حفدته يحملون لقب الملك.

وظاهرة أخرى نراها تظهر، فيها دلالة أيضاً على تناحر الأسر وتقاتلها على الجاه والحكم والسلطان، تتجلى في حكم أسرتين حكم اسرتين مختلفتين، إحداهما من "حاشد" وأخرى من "بكيل"، وكلتاهما من هَمْدان، وقد حمل كل واحد من رجلي الأسرتين اللقب الرسمي لملوك سبأ. فقد حكم "علهان نهفان" وابنه "شعر أوتر" وهما من "حاشد "، وحكم في الوقت نفسه "فرع ينهب"، وابنه، وهما من "بكيل"، وكان كل واحد منهما بلقب نفسه بألقاب ملوك سبأ. ثم تجد من ذيول هذه الظاهرة منافسة "ظفار" لمأرب، ومبارزة قصر ملوك "ظفار" وهو "ذو ريدان" لقصر ملوك سبأ القديم وهو "سلحن" "سلحين". وفي هذه المنافسة دلالة على تنافس أسرتين على الحكم، كل أسرة تدعي أنها حاكمة سبأ ومالكة مملكة سبأ.

وكان من نتائج هذا التطور ظهور حكم لا أودّ تسميته ب "حكم لامركزي"، ولكن أرى تسميته: حكماً إقطاعياً، أو حكم "أمراء الطوائف"، أو حكم رؤوس الطوائف. فقد صار الأمر والنهي للقيال وللاذواء، وللسادات وقادة الجيش، حتى تكاثر عددهم، وحتى صارت لهم كلمة في اختيار الملوك وفي إسقاطهم. ونجد في الكتابات المتأخرة أسماء عدد كبير من هؤلاء الإقطاعين، دلالة على مكانتها، وخطر شأنها في السياسة العامة، ولم تختف هذه الظاهرة حتى بعد احتلال الحبش لليمن، وحتى بعد طرد الحبش عنها ودخولها في حكم الفرس إلى أيام الإسلام.

وكان مما قوى سلطان الإقطاعيين الحروب التي أعلنها الملك "شمر يهرعش" على جيرانه. لقد تمكن من توسيع رقعة سبأ ومن إضافة أرضين جديدة واسعة لها، ومن إحاطتها بهالة من العظمة، ولكنه اضطر من ناحية أخرى إلى إرضاء الإقطاعيين الذين ساعدوه وخدموه في حروبه وأدوا له خدمات كجيرة، فوسع سلطانهم، وقوّى مركزهم، وصيرهم قوة ذات شأن لها سلطان في الدولة، فأضعف بعمله مركز الحكومة، ووضع من جاء بعده من الملوك في مركز حرج أمام كبار الاقطاعيين الذين أخذوا لم يتدخلون في أمور الدولة، وينافسونها في سلطان. وهكذا زالت معالم. الحكم "الاستشاري" الأقيال، ويحل محلّه حكم الملوك المستند إلى تأييد عدد من كبار رجال ألاقطاعيين وسادات القبائل، وهو حكم راعى بالطبع مصالح هؤلاء، ولم يهْتم بمصالح هؤلاء، ولم يهتم بمصالح سواد الناس، بل حتى مصالح الاقطاعيين الذين لم يكن لهم سلطان كبير، فاصيبوا بضرر بالغ من هذا التغيير الدستوري في أصول الحكم.

وقد كان ملوك العربية الغربية، مثل كل ملوك ألعربية الجنوبية، يأخذون بالرأي ويعملون بمشورة المجالس. ويعرف مجلس الشورى في الكتابات الحيانية ب "هجبل" "الجبل" و "جبل". وقد نعت المجلس بجملة "العالي الشأن" في إحدى الكتابات، تعظيماً له، وتقديراَ لشأنه. ومما يؤيد أخذ الملوك برأي المجلس "جبل"وهو ورود لفظة "براى"، أي "برأي" في الكتابات، دلالة على أخذ الملوك برأي المجلس.

بل ذهب بعض الباحثين إلى احتمال وجود أحزاب سياسية في مملكة لحيان.غير أننا لم نتمكن من الحصول على كتابات لحيانية فيها شيء عن الحزبية وألاحزاب في ذلك العهد.

أما أصول الحكم عند "آل لخم"، فإننا لا نملك نصوصا طما لها مدونة، كذلك لا نملك نصوصا فيها شيء عن أصول الحكم عند الغساسنة. ولم يشر أهل الأخبار الى وجود مجالس على نمط "المزود" أو "دار الندوة" عند المناذرة أو الغساسنة، لذلك لا نستطيع أن نتحدث بأي حديث عن الشورى وأخذ الرأي عند اللخميين، أو عند آل غسان.

بل يستنبط من بعض روايات أهل الاخبار، ان ملوك "آل نصر"و "آل غسان" و "آل اكل المرار"،كانوا ملوكاً غلب على حكمهم الاستبداد بالرأي، إذ لم يعملوا برأي أحد، ولم يأخذوا بمشورة مستشار إلا إذا كانت المشورة موافقة لهواهم ومن شخص قريب منهم، وله أثر فعلي عليهم. كما يستنبط منها ايضاً ان المقربين من الملوك، لم يكونوا مخلصين لهم في تقديم النصيحة، بل كانوا يبتغون من ورائها الحصول على منفعة وفائدة، أو ضررا يلحق بأعدائهم، وبالقبائل المعادية لقبائلهم في كثير من الأحايين. وان بعض الملوك، ولا سيما المتأخرون منهم، كانوا قد تأثروا بآرائهم فعملوا بها،فأوجدت لهم مشكلات خطيرة،كان الملوك في غنى عنها لو انهم كونوا مجالس استشارية، وأخذوا برأيها في تسيير النابه من أمور المملكة.

أما القرى والمدن إن جازت هذه التسمية، شد حكمها وجهاؤها وساداتها رؤساء الشعاب والبيوتات الكبيرة. فإذا حدث حادث في شعْب حلهّ رؤساء ذلك الشعب، وإن عرض للقرية او للمدينة عارضاً اجتمع سادتها للنظر فيه وحلة، واليهَم يكون تسيير أمور القرية أو المدينة. يجتمعون في "نادي" القرية أو المدينة، وهو مجتمعها للنظر في الأمر والبت فيما يرون اتخاذه من قرارات. وقد ورد في القرآن الكريم: " وتأتون في ناديكم المنكر ". والنادي هنا المجلس، ومجتمع القوم، وموضع اتخاذ القرارات والبت في الأمور.

وكان لأهل "تدمر" "مجلس" على غرار مجلس "الشيوخ" في "رومة" مؤلف من سادات المدينة من أصحاب الجاه والسلطان له سلطة من القوانين والتشربع، وله رئيس وكاتب.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق