إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأحد، 10 يناير 2016

987 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الثاني والخمسون الدولة ومن كلاب جمة النباح


987

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
 
الفصل الثاني والخمسون

الدولة

ومن كلاب جمة النباح

وعلى الرعية حق الطاعة، طاعة من بيده الحكم والسلطان. وليس عليها الخروج على أوامره وأحكامه،لأن من حق الراعي تأديب رعيته إذا خرجت عن طاعته. فإذا خرجت الرعية على الملك، حق عليه تأديب رعيته بالصورة التي يراها. ولا يتمكن من الخروج على طاعة السلطان إلا الأشراف وسادات القبائل، ففي استطاعة هؤلاء بما لهم من أتباع ورعية، تنديد الملوك، أو من ينوب عنهم في الحكم. ولهذا كانت لهذه الطبقة مكانة وكلمة عند الملوك.

ولم يكن من السهل على أبناء القبائل تقديم واجب الطاعة للملوك إذا كانوا من غير قبيلتهم، فالملوك الغرباء وإن كانوا عرباً مثلهم، لكنهم في نظرهم غرباء عنهم، ومن قبيلة بعيدة عنهم. والعربي بحكم طبيعة ظروفه ومحيطه القبليّ، لا يرى الخشوع إلا لمن تربطه به رابطة العصبية. ومعنى هذا أنه لا يخضع إلا لسيد قبيلته، أو لمن يخضع سيد قبيلته لحكمه أو للملك إذا كان من قبيلته.

وسيد القبيلة لا يخضع هو نفسه لأحد إلا إذا أكره على ذلك، إكراهاً، أو وجد في خضوعه لحكم حاكم آخر منفعة ما تاًتيه من هذا الحكم. فإن زالت القوة التي أكرهته على الخضوع لغيره، أو ذهبت المنفعة التي كان يحصل عليها، أعلن انفصاله واستقلاله بشؤون قبيلته أو انضمامه إلى حاكم قوي اخر ليصير حليفاً له.

لذا صار تأريخ القبائل صراعاً ونزاعاً بين قبائل طامعة في قبائل أصغر منها،وقبائل أخرى تريد أن تعيش لوحدها مستقلة بإدارة أمورها، أو منافسة غيرها في حكم قبائل أخرى، لتكوين حكومة كبيرة منها ومن القبائل التي استسلمت لها.

فالممالك الني تكونت والتي تحدثت عنها، لم تكن إذن ممالك مكونة من مواطنين آمنوا بمبدأ المواطنة واعتقدوا بعقيدة طاعة سلطان الدولة. بلَ كانت مملكة قبائل اتحدت طوعاً أو كرهاً، وكونت حلفاً كبيراً ترأسه ملك. يظل قائماً ما دامت هنالك قوة قائمة ومصلحة وفائدة، فإن انتفت المصلحة، عادت طبيعة الأنانية القبلية إلى لعب دورها في الانفصال. وهي عقلية تعرقل وتقاوم تكوّن الدول الكبرى. ولهذا قاومها الإسلام، لأنه جاء بمبدأ "الجماعة"، وعقيدة "الأمة" و "الملة"، فورد في الحديث: "من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية ".

وللشعراء وأهل البيان كلام في أصول سياسة الحكم وادارة أمور الرعية. قال "الجاحظ": " ومتى أحب السيد الجامعُ، والرئيس الكامل قومه أشد الحب وحاطهم على حسب حبه لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حب قومه له.هذا إذا لم يتوثب اليه ولم يعترض عليه من بني عمه واخوته من قد أطمعته الحال باللحاق به. وحسد الأقارب أشد، وعداوتهم على حسب حسدهم.

وقد قال الأولون: رضا الناس شيء لا ينال.

وقد قيل لبعض العرب: من السيد فيكم قال الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر اغتبناه.

وقد قال الأُول: بغضاء السُّوق موصولة بالملوك والسادة وتجري في الحاشية مجرى الملوك.

وليس في الأرض عمل أكدّ لأهله من سياسة القوم.

وقد دفعت الروح الفردية والنزعة القبلية سادات القبائل وقادة الجيش على الثورة بملوكهم وبحكامهم، فامتلأ تأريخ الجاهلية بها وبالمكايد والانتفاضات. وقد أثرت أثراً خطيراً في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وصارت في جملة عوامل تدهور الحضارة في اليمن. ونقرأ في كتابات المسند بعض الألفاظ المعبرة عن الفوضى وعدم الاستقرار بسبب حركات العصيان. منها لفظة "كيد"، وتؤدي معنى ثورة وعصيان. و "ثبر" و "مثبر" بمعنى "ثبور"، ويراد بها ثورة ايضاً. و "نزع" وتؤدي معنى ثورة كذلك. و "نقم" وتؤدي معنى "نقمة" وعدم رضى عن الاوضاع. و "قسدت" و "قسد" بمعنى ثورة وثار. فالثورة هي "قسدت" في العربية الجنوبية. و "قرن" وهي في المعنى نفسه. و "تحسبن" بمعنى عنف واستخدام العنف. ولفظة "هرج" بمعنى الفوضى والقتل والهرج. و "مخر" بمعنى مخالفة وقتال.

ونجد في كتابات المسند ألفاظاً اخرى، لها صلة. وعلاقة بالأوضاع المذكورة.

مثل لفظة "هبعل" في معنى الاعتراف بسيادة قوم على قوم. وبالتسليم بسيادة الرؤساء بعد ان ثاروا عليهم وحاولوا التخلص منهم. ولفظة "هوبل" في معنى النجاح في المطاردة والتوفيق في القضاء على العصيان، وعودة الأمر إلى ما كان عليه. ولفظة "همسر" بمعنى احبط وكسر. و "هسحت"، بمعنى تحطيم والقضاء على شيء، كحركة عصيان. و "هضرع" بمعنى أخضع و "حلفي بمعنى ضغط واستعمل العنف. و "حف" بمعنى أحاط. و "خرط" بمعنى الاستيلاء على شيء. و"نحت" بمعنى ضرب. و "نكى" في معنى قاسى وكابد من الألم والعذاب. و "نقيذ" بمعنى استولى على مكان وفتحه. و "سبط" بمعنى أحبط وقضى على ثورة. و "سحت" في معنى هزيمة. و "قمع" في المعنى المعروف منها في لهجتنا. و "رتضح" بمعنى ذبح. و "توشع" في معنى هزيمة. و "تشكر" في معنى هزيمة ايضاً. فلكل هذه الكلمات ولغيرها مما في معناها صلة بالأوضاع السياسية والعسكرية التي كانت سائدة في ذلك العهد. وهي دليل على سوء الحال.


 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق