إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 9 يناير 2016

925 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل التاسع و الأربعون الصيد


925

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
 
الفصل التاسع و الأربعون

الصيد


والصيد في جزيرة العرب رغبة وحاجة. رغبة الملوك والرؤساء والأثرياء للأنس والترويح عن النفس، وحاجة عند السواد وهم ققراء في الغالب لا يملكون شيئاً، فلحم الصيد نعمة كبرى لهم وغذاء طيب لا يصل إليهم دائماً.

إما اصطياد الرؤساء والأثرياء فبالاستعانة بالصقور في الغالب، حتى إذا قبل كُنّا نتصقر، انصرف الذهن في الحال إلى الصيد، لاستعمال الطيور في الصيد، حيث تُدرَّب تدريباً خاصاً وتعلم تعليماً متقناً، فإذا رأت الحيوان انقضت عليه، فلا تتركه يستطيع الحركة والهرب إلى إن يصل الصياد إلى الفريسة المسكينة. ويدعى قيِّم الصقور ومعلمها "الصقّار". وتستعل كلاب الصيد كذلك، وهي كلاب سريعة مدربهّ تدريباً خاصاً، فإذا رأت الصقر فوق الفريسة عَدَت خلفها لتساعد الصقر في القبض على الحيوان فلا يهرب ويولي. ومنها ما تفتش عن مواضع اختفاء الحيوانات، فإذا شعرت بوجود حيوان في كهف أو مغارة تدخل إليها أو تقوم بحركات تضطره إلى الخروج فيصطاده الصياد. وقد تستعمل الخيل كذلك. وهي لم تكن كثيرة في الجاهلية، ولا يملكها إلا المتمكنون.

وقد ذكر الصيد في آيات من القرآن الكريم، مما يدل على أهميته ومكانته في حياة العرب يومئذ. ويقال للصيّاد القانص كذلك. وأما استثارة الصيد وأخراجه، فيعبرَ عن ذلك بلفظة "النُّجش"، والمنجاش والنجاش هو المثير للصيد. ويقال: هَبِض الكلب إذا حرص على الصيد وقلق نحوه، ويقال أيضاً: غَرَّبت الكلاب، إذا أمعنت في طلب الصيد.

وكانت العرب تعيش في الغالب بلحوم الصيد، وكانت خيلهم تسهل عليهم نيل صيدهم، وتعينهم على الوصول إلى غايتهم. فكانت عندهم من اعز الأموال وايمن الأشياء يُعتنى بها اعتناء الرجل بنفسه، ولولاها حُرم من لذة أكل اللحوم. وكانت إذا إغارتها على صيد، خضبوا تحر السابق بدم ما يمسكونه من الصيد، علامة على كونه السبّاق الذي لا يدرك في الغارات.

ولأهل الجاهلية عناية خاصة ب "الصقور". يربّونا تربية خاصة. وذكر علماء اللغة إن كل شيء يصيد من البزاة والشواهين، صقر. وقد أشير إلى صيد "الصقور" في الحديث.

وقد استعانوا بالكلاب السريعة الجري في الصيد كذلك. وقد عُنوا بتربية أنواع ذكية سريعة الجري منها لمطاردة الفريسة، إذا أدركتها نهشتها أو قبضت عليها، فيأتي الصياد، فيأخذها منها.

ويتحايل الصيادون في الاصطياد، فيحفرون حفيرة تلجَف من جوانبها، أي يجعل لها نواحي، وتعرف عندهم بالقُرموص، وذلك للتمويه على الحيوان. وقد يتخذ الصياد أو أي شخص آخر موضعاً فوق أطراف الشجر والنخل خوفاً من الأسد، فيقال لذلك "العرزال". وأما " الزُّبية" فحفرة تحتِفر الأسد، وكذلك "الزونة"، و "القُتْرة" حفرة يحتفرها الصائد يكمن فيها حتى لا يشعر به الصيد. وقد يدخِّن الصائد في قترته لكيلا تجد الوحش ريحه، ويقال لذلك "المُدمر". و " الروق" موضع الصائد، و " الدُجية" قترة الصائد. وهناك ألفاظ أخرى من هذا القبيل يراد بها الحفرَ التي يستتر بها الصيادون في الصيد.

ويستخدم الصيادون جملة أدوات في الاصطياد، منها آلة تسمى "الجَرّة "، وهي خشبة نحو الذراع يجعل في رأسها كَفة وفي وسطها حبل، فإذا نشب فيها. الظبي ناوصها واضطرب، فإذا غلبته استقر فيها. و "الحِبالة" الحبل الذي يصاد به. و "الأحبول" حبالة الصائد. وأما " الشرك" فحبائلَ الصائد والواحدة " شركة" و " المصلاة" شرك ينصب الصيد، و "الكَصيصة" حبالة الظبي التي يصاد بها. وهناك آلة تشبه المنجل تشدّ بحبالة الصائد ليختطف به الظبي يقال لها "الخاطوف". وأما "الرداعة" فمثل البيت تجعل فيه لَحْمة يصيد الصياد به الضبع والذئب. ويتخذ الصيادون بيتاً يبنونه من حجارة، ثم يجعلون على بابه حجراً يقال له السهم. والمِلْسن. يكون على الباب، ويجعلون لحمة السبع في مؤخر البيت فإذا دخل السبع لتناوَل اللحمة، سقط الحجر على الباب فسدّها، وبذلك يحيس، فلا يستطيع الخروج. ويقال لذلك البيت "الرواحة". وأما "الجَريئة"، فإنها بمعنى "الرداعة". ولعرقبة الحمير الوحشية تستعل آلة خاصة تشبه الهلال يقال لها "هلال الصيد".

وتستعمل الشباك في الصيد كذلك. تستعمل قي صيد البحر والبر. ويغدف الصياد بالشبكة على الصيد ليأخذه. وأما القصبة التي تصاد بها العصافير، فيقال لها الغاية. والغاية الراية كذلك. وأما "الرأمق" و الرامج " فبمعنى الملواح الذي يصاد به البُزاة والصقور، وهو أن يؤتى ببومة فيُشدّ في رجلها شيء أسود، ويخاط عيناها. ويشدّ في ساقيها خيط طويل، فإذا وقع عليها البازي صاده الصياد من قترته. ويقال إنها لفظة عجمية. وقد تُعْشى الطيور بالليل بالمنار ليصيدوها، ويعبرون عن ذلك بجملة: قمر القومُ الطيرَ.

و "المِفقاس" عودان يشدّ طرفاهما بخيط، كالذي في وسط الفخ، ثم يُلوْى أحدهما، ثم يجعل بينهما شيء يشدهما، ثم يوضع فوقهما الشركة، فإذا أصابها شيء، وثبت، ثم أغلقت الشركة في الصيد. والعطوف والعاظوف مصيدة فيها خشبة منعطفة الرأس، والمِقْلة والقُلة عود يجعل في وسطه حبل، ثم يدفن، ويجعل للحبل كفة فيها عيدانَ، فإذا وطئ الظبي عليها.عضت على أطراف اكارعه. وأما الدّواحيل فخشبات على رؤوسها خرق، كأنها طرّادات قصار، تركز في الأرض لصيد حمر الوحش. وأما البُجّة، فإنها "الرداحة". وأما "اللُبجة"، فإنها حديدة ذات شُعب كأنها كفٌّ بأصابعه تنَفرِج، فيوضع في وسطها لحم ثم يُشدّ إلى وتد، فإذا قبض عليها الذئب، التبجت في خطمه، فقبضت عليه، وصرعته. و "النّامِرة" مصيدة تربط فيها شاة للذئب.

وقد يستتر. الصياد بحيوان أو غيره ليخفي نفسه عن الصيد، وبقال لذلك "الدريئة"، وبهذا المعنى "الذريعة" و "الرقيبة" و "السيفة"، وإذا استتر الإنسان بالبعير من الصيد فيقال لذلك "المسوق".

وفي جزيرة العرب حيوانات وحشية، وقد قلّ فيها الأسد الآن. أما في الجاهلية، فقد كان معروفاً في مواضع عديدة عُرفت عندهم بالمآسد، جمع مأسدة، وقد كانوا يصطادونه بطريقة إسقاطه في حفر تغطى، فإذا سار عليها الأسد سقط فيها، وبطرق أخرى. وهناك الفهود والنسور والضباع والذئاب، وتكثر القردة في المناطق الجبلية وفي النجود، وهي لا تزال موجودة في نجود الحجاز واليمن والعربية الجنوبية.

ويقال لمأوى الأسد في خيسه: "العريس" "والعريسة". ويصعب صيده وهو في مكمنه، وضرب اَلمثل بذالك فقيل: "كمبتغي الصيد=فيِ عرّيسة الأسد" وقال طرفة: كليوث وسط عريسِ الأجم ومن الحيوانات الوحشية المعروفة في جزيرة العرب الحمار الوحشي. ويظهر إن بعض الناس كانوا يأكلونه، بدليل ما ورد في كتب الفقه من النهي عن أكل لحوم الحمر الوحشية. ويذكر علماء اللغة إن الحميريين كانوا يطلقون على الحمار لفظة "العُكسوم" و " الكسعوم".

ويكثر الظبي في جزيرة العرب، ويطمع فيه الصيادون. وقد كان الجاهليون يلجأون إلى جحوره فيسدّون أبوابها ويحفرون من موضع آخر الوصول إليه، كما كانوا يضربون بحجر على الحجر ليفزع الظبي، فإذا فزع تهيأ القتال، وتهيأ الصياد القبض عليه، ويتحايل عليه فيقبض عليه من ذيله.وهو ما زال كثيراً في مواضع عديدة من جزيرة العرب، وقد استعملت السيارة في الزمن الحاضر في صيده وذلك في باب التجديد في الصيد.

والنعام من الحيوانات المعروفة في جزيرة العرب. وقد ذكر علماء اللغة ألفاظاً كثيرة قالوا إن العرب أطلقوها على النعام، على ذكر النعامة وعلى أنثاها وعلى صغار النعام. ومنها "الجعول" ويراد بها ولد النعام، وهي يمانية. وكذلك لأصوات النعام وجماعاتها. وورود هذه الألفاط دليل على كثرة النعام في جزيرة العرب ووقوف العرب عليها.

وأما أهل السواحل، فقد اضطرتهم طبيعة بلادهم على الاصطياد في البحر، على اصطياد سمكه، للاعتياش عليه ولبيع الفائض منه. أو لتجفيف الزائد منه لأكله وقت الحاجة أو لتقديمه علفاً لحيواناتهم. وقد اشتهر سكان الخليج في الجاهلية أيضاً بالغوص لاستخراج اللؤلؤ من الصدف الكامن على قاع البحر. وقد كان يؤتيهم ذلك أرباحاً طائلة. إما أهل باطن جزيرة العرب والأماكن البعيدة عن السواحل فقد قل علمهم بالسمك، لعدم وجود أنواع منه في البوادي. وعدم إمكان إيصاله طرياً إليهم. فقلّت أسماء أنواعه في لهجاتهم. بينما نبد له أسماءً عديدة في لغات أهل السواحل لوجود أنواع عديدة منه في البحار كانوا يصطادونها. فتكون القسم الغالب، من اللحم عندهم.

وذكر علماء اللغة إن "السمك" الحوت من خلق الماء. وذكر إن الحوت ما عظم من السمك. ومن أنواع سمك البحر: "القرش". وهو من الأسماك العظام.

ومن وسائل صيد السمك "العروك"، خشب يلقى في البحر، يركبون عليه، ويلقون شباكهم، يصيدون السمك. و "العركيّ" صياد السمك. ولهذا قيل الملاحين عرك، لأنهم يصيدون السمك. "وفي الحديث في كتابه إلى قوم من اليهود: إن عليكم ربع ما أخرجت نخلكم ؛ وربع ما صادت عروككم، وربع المغزل". والعروك هم الذين يصيدون السمك.

ومن عادة ملوك الحيرة والغساسنة انهم كانوا يتبدون في المواسم الطيبة من السنة، بعد هطول الأمطار واكتساء البادية بُسطَ الربيع، وتعييد الطيور والماشية بالمناسبة السعيدة. كانوا يخرجون إلى البوادي للاستمتاع بالمناظر الجميلة والصيد والقنص، ومن الأماكن التي كان ملوك الحرة يقصدونها منزل "ماوية"، وهو منزل بين مكة والبصرة. ذكر إن الملك "النعمان" كان إذا أراد الاستئناس برؤية حال الربيع والماء، خرج إلى "النجف" والى البادية، فتنصب له ولأصحابه القباب ويمضي أياماً هناك يتصيد ويستمتع بمنظر الشقائق ذوات الألوان الأخاذة الجاذبة القلوب، حتى زعم إن "شقائق النعمان" إنما سميت بذلك نسبة إليه. جاء إلى موضع وقد اعتم نبته من أصفر وأحمر وإذا فيه، من هذه الشقائق ما راقه ولم يرَ مثله، فقال: ما أحسن هذه الشقائق! إحموها! وكان أول من حماها، فسميت شقائق النعمان بذلك.

ويظهر من حديث جرى بين يدي "النعمان" إن من العرب من كان يذمّ الصيّاد، ويفضل صاحب الإبل عليه. فقد روي إن "معاوية بن شكل" ذم "حجل بن نضلة" بين يدي النعمان، إذْ قال فيه: "انه مقبل النعلين، منتفخ الساقين، قعو الأَلْيَتَيْن مشّاء بأقراء، قتال ظباء، بياع إماء". فقال له النعمان: "أردت إن تذيمه، فمدحته"، وصفه بأنه صاحب صيد لا صاحب إبل. ولعله قصد بذلك انه كان صياداً محترفاً، اتخذ الصيدَ حرفة له. فقد كان بين الصيادين قوم اتخذوا الصيد لهم حرفة. فإذا اصطادوا باعوا صيدهم، ولم يستفد منه، فهو مثل الجزّار، الذي يبيع اللحم ولا يطعم أهله منه، ولذلك نظروا إليه نظرة استصغار.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق