926
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
سباق الخيل
والتسابق على ظهور الخيل رياضة الأثرياء والفرسان القديمة. وهي لا تزال معروفة، وان كانت قد أخذت تلفظ أنفاسها بسبب أقيال الأثرياء على ركوب السيارات الفخمة التي لفتت أنظارهم وجرتهم إليها، فلم يبق من يمارس تلك الرياضة القديمة إلا أولئك الذين لم تصل السيارات إليهم بكثرة، لوعورة الطرق وامعانهم في البوادي وابتعادهم عن المواطن التي أخذت تغزوها منتجات العرب.
ويذكر أهل الأخبار إن أول من ركب الخيل "إسماعيل"، ولذلك سميت ب "العراب"، وكانت قبل ذلك وحشية كسائر الوحوش. خرج إلى موضع "أجياد"، فنادى بالخيل، فلم يبق علي وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا أجابته فأمكنته من نواصيها وتذللت له. ولذلك قال النبي: "اركبوا الخيل فانها ميراث أبيكم إسماعيل".
وراهن أهل الجاهلية على الخيل، فكانوا يخرجون إلى السباق ويقال: مجتمع الناس الرهان، ثم يتراهنون هنالك على الخيل المتجمعة و "السابق" من الخيل، وهو الأول، هو الذي يأخذ الجائزة الأولى، ويتلوه "المصليِّ" وهو الفائز الثاني. و "الحلبة" الدفعة من الخيل في الرهان خاصة، وقيل: خيل تتجمع للسباق من كل أوب. ومجمع الخيل.
ويقال للخيل الذي يمدّ في صدر الخيل عند الإرسال الحلب. والمنصبة الخيل حين تنصب الإرسال. ويقال السابق من الخيل: الأول، والمصليّ الثاني الذي يتلوه. وما سوى ذينك يقال له الثالث والرابع وكذلك إلى التاسع ثم السُّكَيْت. فما جاء بعد ذلك لا يعتد به. والغسكل الذي يجيء آخر الخيل. وذكر: إن: أسماء خيل الحلبة عشرة لأنهم كانوا يرسلونها عشرة عشرة، وسمي كل واحد منها باسم. فالأول منها السابق. وهو المُجليّ. لأنه. كان يجلي عن صاحبه، والثاني المُصلي لأنه يضع جحفلته على صلا السابق، والثالث المسلي، والرابع والخامس المرتاح، والسادس العاطف، والسابع والمؤمل، والثامن الحظيّ، والتاسع اللَّطيم، والعاشر السُّكيْت، والغسكل الذي يجيء آخر الخيل في الحلبة. ويقال للحبل الذي بجعل في صدور الخيل يوم الرهان المقبض والمقوس. وقيل في أسماء خيل الحلبة إن أولها المجلِّي ثم المصلي ثم المسلي ثم العاطف ثم المرتاح ثم الحظيّ ثم المؤمل. هذه السبعة لها حظوظ، ثم التي لا حظوظ لها. اللطيم، ثم الوغد، ثم السكيت.
وكانوا يضعون عند نهاية الحد الذي يقررونه السباق قصبة فمن يصل إليها قبل غيره من المتسابقين، يعد السابق لقصبة السبق، ويكون قد أحرز القصب لأن الغاية التي يسبق إليها تُذرعَ بالقصب. وتركز تلك القصبة عند منتهى الغاية، فمن سبق إليها حازها واستحق الخطر.
و "الخطر" الذي يوضع بين أهل السباق، وقيل الذي يوضع في النضال والرهان في الخيل ع فمن سبق أخذه. والسابق إذا تناول القصبة، علم انه قد أحرز الخطر. وكانوا يقلدون السابق من الخيل؛ ولا يقلَّد من الخيل إلا سابق كريم. ويقولون للسابق من الخبل: المقلَّد.
وقد سابق الرسول بين الخيل التي قد ضُمِّرت من موضع "الحفياء" إلى "ثنية الوداع" والمسافة بين الموضعين خمسة أميال أو ستة، وقيل ستة أميال أو سبعة. وسابق بين الخبل التي لم تضمر من "الثنية" إلى مسجد "زريق،" والمسافة ميل أو نحوه. وسابق بين الخيل على حال أتته من اليمن، فأعطى السابق ثلاث حال والمصلي حلتين، والثالث حلة، والرابع ديناراً، والخامس درهماً، والسادس قصبة. وقد ساهمت خيله في السباق.
وراهن رسول الله على الخيل، وذكر إن أول مسابقة كانت في الإسلام سنة ست من الهجرة. سابق رسول الله بين الخيل، فسبق فرس لأبي بكر فأخذ السبق. والمسابقة مما كان في الجاهلية، فأقرها الإسلام.
وفي الحديث: أحاديث عن الرسول في السبق، منها: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر، فالخف للإبل، والحافر للخيل، والنصال للرمي وبقية الأحاديث في كتب الحديث والفقه.
ولم يقتصر السباق عند الجاهليين على السباق بين الخيل، بل سابقوا بين الإبل، وجعلوا للسابق خطراً، كما سابقوا بين الكلاب والحمير والحيوانات الأخرى.
ومن سباق أهل الجاهلية والإسلام، السبق بالنصل، أي المراماة بالسهم. وذلك بأن يوضع خطر، ويذكر عدد الرمي والهدف، فمن أصاب الهدف أكثر من غيره نال السبق. وقد عرف نفر من الجاهليين بإصابتهم الهدف، وبقوة رميهم، وجعلوا لقوة الرمي وشدته أو لرخاوته وللمكان من إصابته الهدف درجات هي: الخاضل، والخازق، والخاسق، والحابي، والمارق، والخارم، والمزدلف. والخاضل الذي يقرع الشن ولا يخدشه، والخازق الذي يخدشه ولا يثقبه، والخاسق الذي يثقبه ويثبت فيه، والحابي إن يدني الرامي يده من الأرض فيرميه فيمر على وجه الأرض فيصيب الهدف، والمارق الذي يمرق الشن أي يثقبه وينفذ فيه، والخارم الذي يخرم طرف الشن أي يقطعه، والمزدلف الذي يسقط بقرب الغرض ثم يشتن فيصيب الهدف.
ومن السباق: المناضلة، وهي المباراة في الرمي: والنضيل هو الذي يرامي ويسابق. والمناضلة المفاخرة والتسابق بالأشعار. وتكون المباراة في الرمي بثلاثة أنواع: مبادرة، ومحاطة، ومناضلة. فالمبادرة إن يشترطا إصابة عشرة من عشرين، فيبتدر أحدهما إلى العشرة فينضل صاحبه، والمحاطة إن يقولا نرمي عشرين رشقاً على إن من فضل صاحبه بخمس إصابات فقد نضله، فإذا اشترطا ذلك، ورمى كل واحد منهما عشرين رشقاً وأصابا إصابات نظر إن استويا في الإصابة لم يحصل النضل، وان تفاوتا في الإصابة حط الأقل أو الأكثر، فإن بقي لصاحب الأكبر الخمس المشروطة فقد نضل صاحبه، وان بقي له أقل من الخمس المشروطة لم يحصل النضل. والمناضلة إن يشترطا عشرة من عشرين على إن يستوفيا جميعاً، فيرميان معاً جميع ذلك، فإن أصاب كل واحد منهما عشرة أو فوقها أو دونها لم يحصل النضل، وان أصاب واحد منهما دون العشرة والأخر عشرة فما فوقها، فقد نضل صاحبه.
وللعرب عناية خاصة بالخيل، وما زالوا يعتنون بها إلى اليوم، حتى لقد حفظوا أنسابها حفظهم لأنساب الناس، وألفوا الكتب فيها. ونجد في كتب الأدب واللغة أسماء خيل اشتهرت في الجاهلية. وذكر "ابن النديم" في كتابه "الفهرست" أسماء كتب ألفت في الخيل، ذهب أكثرها، وبقي بعض منها. ونجد في "تاج العروس" أسماء خيل اشتهر أمرها في الجاهلية ذكرت في مواضع متناثرة من أجزاء الكتاب. وذكر معها أسماء أصحابها، كما أشار إلى مؤلفات رجع إليها في هذا الموضوع مثل كتاب الخيل لابن الكلبي، وقد طبع، وكتاب الخيل لأبي عبيدة وقد طبع كذلك، ومؤلفات أخرى لم تطبع حتى الآن.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق