924
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
الاغتيال
الغيلة: هي الخديعة وإيصال الشر أو القتل إلى إنسان من حيث لا يعلم ولا يشعر. وقد كان معروفاً بين الجاهليين، شجع على ظهوره وانتشاره بينهم، عُرْف الأخذ بالثأر، والتنافس الذي كان بينهم على الرئاسة والوجاهة، وقواعد مجتمع ذلك الوقت التي كانت تقيم وزناً كبيراً الكلمة، والمدح والهجاء، ولتقديم شخص على شخص في الجلوس في الجلوس من المجالس، فكانت هذه الأمور وأمثالها تدفع من يتعرض لها على الانتقام ممن أهانه والتربص به وتتبع آثاره حتى يتمكن من قتله أو اغتياله.
وقد اتبع المغتالون أساليب شتى في الاغتيال. منها الطعن بالرمح أو بالخنجر أو بالسكن، ومنها الذبح، والخنق، ومنها اللجوء إلى الحيلة بدس السم في الشراب أو الطعام، إلى غير ذلك من أسباب الغيلة.
والغيلة غير الفتك. ذُكر إن الفتك إن يقتل الرجل الرجلَ مجاهرة. وهو إن يأتي الرجل صاحبه وهو غارٌّ غافل حتى يشد عليه فيقتله، وان لم يكن أعطاه أماناً قبل ذلك، ولكن ينبغي له إن يعلمه ذلك.
قال المخبل السعدي: وإذْ فتك النعمان بالناس مـحـرمـا فمن ليَ من عوف بن كعبٍ سلاسله
وكان النعمان بعث إلى "بني عوف بن كعب" جيشاً في الشهر الحرام، وهم آمنون غارون فقتل فيهم وسبا.
ولمحمد بن حبيب السكري، كتاب ذكر فيه أسماء المغتالين من الأشراف في الجاهلية والإسلام، وأسماء من قُتل من الشعراء. بدأ فيه ب "جذيمة الأبرش" الذي غدرت به "الزباء" ملكة "تدمر"، فأجلسته على نطع، وسقته الخمر، ثم أمرت بقطع رواهشه، حتى مات. ثم ثنى ب "حسان بن تبع"، فزعم إن أخاه قتله غيلة وهو نائم على فراشه، طمعاً في ملكه، ثم تكلم في "عمليق" ملك طسم، وكانت منازلهم "عذرة" في موضع اليمامة. وذكر في جملة من ذكرهم اسم "عمرو بن مسعود" و "خالد بن نضلة" من بني "أسد". وكانت أسد وغطفان حلفاء لا يدينون ويغرون عليهم، فوفدا سنة من السنين رمعهما "سبرة بن عمير الفقعسي" الشاعر، على "المنذر" الأكبر اللخمي، فكلّمهما في أمر دخولهما في طاعته والذب عنه كما ذبت "تميم" و "ربيعة"، فعلم انهم لا يدينون له. فقرر الكيد بهما، فأومأ إلى الساقي فسقاهما سماً، فماتا، ثم ندم على ما فعل، فأمر فحُفر لهما قبران ودفنا فيهما، وبنى عليهما منارتين، وهما "الغريان" وعقر على كل قبر خمسين فرساً وخمسين بعيراً، وغرّاهما بدمائهما، وجعل يومَ نادمهما يوم نعيم، ويوم دفنهما يوم بؤس.
وقد كان خنق الأشخاص في جملة وسائل الاغتيال والتخلص من الأعداء، وقدُ ذكر إن الملك "النعمان بن المنذر"، أمر بخنق "عدي بن زيد العبادي"، فمات منه. ويكون الخنق بالضغط الشديد على الرقبة باليد، وباستعمال الحبل أو قطع القماش. ويقال الحبل الذي يخنق به "الخناق".
وذكر إن "الحكم بن الطفيل"، لما انهزم في نفر من أصحابه يوم "الرقم" "حتى انتهوا إلى ماء يقال له المرورات، فقطع العطش أعناقهم فماتوا، وخنق ابن الطفيل نفسه مخافة المثلة، فقال في ذلك عروة بن الورد: عجبت لهم اذ يخنقون نفوسهـم ومَقتلهم تحت الوغى كان أعذرا
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق