922
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
الخمور
واستعمل الجاهليون أواني الشرب المصنوعة من الزجاج والبلور ومن الذهب والفضة، واستعملوا أواني أخرى تتناسب مع منزلة الشارب ومكانته. وقد كان ملوك الحيرة وملوك الغساسنة يشربون بالآنية الغالية، وبعضها منقوش. وكذلك تفنن أغنياء مكة في الشرب، فاستعمل عبد الله بن جُدعان الأواني المصنوعة من الذهب في شربه، حتى ضرب به المثل، فقيل: "أقرى من حاسي الذهب"، وعرف ب "حاسي الذهب". وشرب غيره من أصحاب الثراء بأواني غالية استوردوها من الخارج، على حين كان أكثر سكان مكة فقراء لا يملكون شيئا. ولهذا ورد في الحديث النهي عن الشرب بآنية الذهب والفضة. وقد ذكر إن النابغة الذبياني، وهو من شعراء الجاهلية الكبار، كان لا يأكل ويشرب إلا في آنية الذهب والفضة، من عطايا النعمان وأبيه وجدّه، ولا يستعمل غير ذلك.
وحرم قوم من الجاهلين الخمر على أنفسهم، وأكثرهم ممن يسموّن الأحناف، ومنهم من كان يشربها ويقبل عليها، ولكنه وجد نفسه وقد قام بأعمال لم يرتضيها، جعلته يشعر بالخجل منها، فتركها وحرمها على نفسه. ويذكر أهل الأخبار إن أول من حرمها على نفسه وامتنع منها في الجاهلية، هو "الوليد بن المغيرة". وهو رجل ينسب إليه أهل الأخبار جملة أمور، منها انه أول من خلع نعليه لدخول الكعبة في الجاهلية، فخلع الناس نعالهم في الإسلام " وأول من قضى بالقسامة في الجاهلية فأقرها الإسلام، وأول من قطع في السرقة في الجاهلية، فأقرّها الإسلام. ويذكرون إن الجاهليين كانوا يقولون: " لاوَثَوْبَيْ الوليد، الخلق منهما والجديد".
وممن ترك الخمر في الجاهلية "عبد الله بن جدعان"، وسبب تركه لها انه شرب مع أمية بن أبي الصلت الثقفي، فلطم وجه "أمية" بعد إن ثمل، فأصبحت عينه مخضرة فخاف عليها الذهاب، فسأله عبد الله: ما بال عينك? فقال: أنت أصبتها البارحة. قال: وبلغ مني الشراب ما ابلغ معه من جليسي هذا المبلغ، فأعطاه عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر عليّ حرام، لا أذوقها أبداً. وذكر أيضاً انه سكر فجعل يساور القمر. فلما اصبح أخبر بذلك، فحرمها. إلى غير ذلك من قصص.
وممن حرمها في الجاهلية، قيس بن عاصم المنقري، وعامر بن الظرب العدواني، وصفوان بن أمية بن محرث الكناني، وعفيف بن معد يكرب الكندي، والاسلوم ابن اليامي من هَمْدان، ومقيس بن عدي السهمي، والعباس بن مرداس السلمي، وسعيد بن ربيعة بن عبد شمس، وورقة بن نوفل، والوليد بن المغيرة، وأبوه أمية بن المغيرة، والحارث بن عبيد المخزومى، وزيد بن عمر. بن نفيل، وعامر ابن جذيم الجمحي، وأبو ذر الغفاري، ويزيد بن جعونة الليثي، وأبو واقد الحارث بن عوف الكناني، وعمرو بن عَبسة، وقسّ بن ساعدة الإيادي، وعبيد ابن الابرص، وزهير بن أبي سُلمى المزني، والنابغتان الذبياني والجعدي، وحنظلة الراهب بن أبي عامر، وقبيصة بن اياس الطائي، واياس بن قبيصة بن أبي غفر، وحاتم الطائي، و "سويد بن عدي بن عمرو بن سلسلة الطائي".
وذكر إن ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية: "بشير الثقفي". وكان نذر في الجاهلية إلا يأكل الجزور ولا يشرب الخمر.
وروي إن "عفيف بن معد يكرب الكندي"، عم الأشعث بن قيس، كان قد طلق الخمر وحرّمها على نفسه وحَرَّمَ معها القمار والزنى، والثلاثة من أهم وسائل التلهي والتمتع بالحياة عند الجاهليين. وكان قيس بن عاصم يأتيه في الجاهلية تاجر خمر فيبتاع منه ولا يزال الخمار في جواره حتى ينفد ما عنده. فشرب قيس ذات يوم فسكر سكراً قبيحاً، فجذب ابنته وتناول ثوبها، ورأى القمر فتكلم بشيء ثم نهب ماله ومال الخمار. فلما صحا أخبرته ابنته بما صنع وما قال فآلى لا يذوق الخمر.
وبعض هؤلاء هم من الحنفاء، وبعضهم من السادة الأشراف الذين لم يتذوقوها، أو انهم تعاطوها ثم رأوا ضرَرَها فتركوها وحرموها على أنفسهم. ويظهر إن بعضهم قد حرمها على نفسه وعلى آله أيضاً، فذكر مثلاً إن الوليد بن المغيرة ضرب فيها ابنه هشاماً على شربها، ولعلّ منهم من كان يستعمل، الحدّ، وهو الجزاء الذي قرره الإسلام على شاربي الخمر.
وقد أشار أهل الأخبار إلى وقوع حوادث لأكثر من ذكرتهم دفعت بهم إلى تحريم الخمر على أنفسهم، كالذي ذكرته من أمر عبد الله بن جدعان، وكالذي أشار إليه أهل الأخبار من تحرش بعضهم بمحارمهم تحرشاً لا يفعله إنسان سويّ، أو تخليطهم أثناء سكرهم وقيامهم بأعمال مضحكة صيّرتهم سخرية الحاضرين، فلما صحوا وسمعوا بما فعلوا ندموا على ما بدا منهم، وقرروا اجتنابها وتحريمها على أنفسهم منذ ذلك اليوم.
وكان الجاهليون يشتدون على النساء في شرب الخمر حتى لم يُحفظ إن امرأة سكرت.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق