إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 9 يناير 2016

915 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل التاسع و الأربعون المعمرون


915

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
 
الفصل التاسع و الأربعون

المعمرون


وقد عمر بعض أهل الجاهلية عمراً طويلاً، فعُدّوا من المعمرَّين في الجاهلية. وروى أهل الأخبار أخبارهم وألف بعضهم كتباً فيهم. فلأبي حاتم السجستاني مؤلف في المعمرين. والعادة عند العرب إن المرءَ إذا شاخ وكبر بالغوا في تقدير عمره، وزادوا في سني حياته. حتى جعلوا المعمر من عاش فوق المئة عام. ولا يعد المعمر معمراً عندهم إلا إذا عاش مائة وعشرين سنة وصاعداً، وهذا، فلا نستغرب ما يرويه أهل الأخبار عن بعضهم من انهم عاشوا فوق المئة بكثير.

ومن المعمرين: الحارث بن كعب بن عمرو بن وعلة بن خالد المذحجي. يزعمون انه عاش مائة وستين سنة. ورووا له وصية في الأخلاق والآداب والمواعظ والحكم. بيَنَّ فيها انه على دين شعيب النبي، وما عليه أحد من العرب غيره، وغير أسد بن خزيمة، وتميم بن مُرة. وأنه لم يصافح غادراً، ولم يتعلق بأخلاق فاجر، ولا صبى بابنة عمّ له ولا كنة. ولا جاءته مومسة. وأوصى أولاده بالتجمع، وبالموت في سبيل العز، وبالحذر من الناس، وبتزوّج الأكفاء وبتجنب الزواج من المرأة الحمقاء، لانتقال المقق منهن، إلى من يلدن. وأوصى بوصل الرحم، وبلزوم إطاعة الوالدين، ونبذ الحقد والضغينة.

ومنهم: المستوغر: وهو عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة. ذكروا انه عاش ثلاثمائة وعشرين، وأدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله. ونسبوا له شعراً وحِكَماَ.

وحشروا في المعمَّرين: "دويد بن زيد" من قضاعة. ذكروا انه عاشر أربعمائة سنة وستاً وخمسين سنة ونسبوا له وصية فيها: "أوصيكم بالناس شراً، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة" إلى آخر ذلك من وصية فيها شدة على الناس وحث لأهله على عدم الرحمة بهم، وأَلا يرحموا أحداً، والا يهنوا. وهي تمثل وضعاً خاصاً ورأياً لواضع هذه الوصية ولراويها من أناس زمانه، فيها سوء طن، ووجوب الحذر والاعتماد على النفس: حيث لا ينفع الإنسان في حياته إلا نفسه.

ومن المعمرين: زهير بن جناب. عاش مائتي سنة وعشرين سنة. وأوقع مائتي وقعة، وكان سيّداً مطاعاً شريفاً في قومه. فيه عشر خصال لم يجتمعن في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه، وشريفهم، وخطيبهم، وشاعرهم، ووافدهم إلى الملوك، وطبيبهم، وحازي قومه، وكان فارس قومه وله البيت فيهم. وقد نسبوا له وصية، على عادتهم في نسبت هم الوصايا إلى المعمرين. ذكروا انه أوصى بنيه فيها بوجوب التجمع ومقاومة النوائب وترك التخاذل والاتكال، وبعدم الغرور في هذه ا الدنيا، فإنما الإنسان في هذه الدنيا غَرَضٌ، تعاورُه الرماة فمقصِّر دونه، ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بد انه مصيبه. ورووا له شعراً وحكماٌ.

وُذكر انه كان على عهد "كليب وائل"، ولم يكن في العرب انطق من زهير ولا أوجَه منه عند الملوك، وكان لسداد رأيه يسمى كاهناً، ولم تجمع قضاعة لا علية وعلى رزاح بن ربيعة.

واختلف في عمر "ذو الأصبع العدواني" يوم مات. فذكر بعضهم انه عاش مائة وسبعن سنة. واستقل "أبو حاتم السجستاني" هذا المقدار، فجعله ثلاثمائة سنة. وهو من "عدوان". وأحد حكام العرب فيَ الجاهلية. ونسبوا له على عادتهم بالنسبة للمعمرين حكماً وشعراً.

ومن المعمرين الذين ذكرهم أهل الأخبار "معد يكرب الحميرني"، من آل ذي رعين، و "الربيع بن ضيع الفزَاري". ذكر انه عاش أكثر من مائتي سنة. وانه لما بلغ مائتين وأربعين سنة قال شعراً في ذلك. وقد عاش في الإسلام أيضاً وأدرك ألام معاوية.

وجعلوا عمر "أبو الطحان القبني" مائتي سنة ونسبوا له حكماً وشعراً. وأبى "الكلبيُّ" إن يجعل عمر "عبد المسيح بن بقيلة الغساني"، وهو عبد المسيح بن عمرو بن قيس بن حياّن بن بقيلة، أقل من ثلاثمائة وخمسين سنة. وجاراه في ذلك "أبو مخنف" وآخرون. وذكروا انه عاش في الجاهلية وأدرك الإسلام فلم يسلم، ومات نصرانياً. وذكروا إن "خالد بن الوليد" لما نزل على الحيرة، وتحصن منه أهلها أرسلوا إليه "عبد المسيح بن بقيلة" ليكلمه فسأله خالد أسئلة عديدة. منها: أعرب أنتم أم نبط? قال عبد المسيح: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا. ثم سأله: كم أتى لك? قال: ستون وثلاثمائة سنة. ثم عاد إلى قومه فنصحهم بمصالحة خالد. ورووا له شعراً في دخول المسلمين الحيرة، وكيف صار أمر "آل المنذر"، وقد تحسر فيه على الأيام الماضية، التي ولت حتى آل الأمر بهم إن يؤدوا الخراج. إلى "معدّ" التي اقتسمتهم علانية كأقسام الجزور، يؤدون لهم الخراج، بعد خراج كسرى وخراج من قريظة والنضير. ثم خلص إلى إن الدهر هو كذلك لا يدوم على حال. فيوم من مساءة ويوم من سرور.

وذكر إن بعض سادات أهل الحيرة خرج إلى ظاهرها يختط داراً، فلما احتفر موضع الأساس، وأمعن في الاحتفار أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من رخام، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة.

حلبت السهر أشطره حياتي  ونلت من المنى بُلَغَ المزيد.

وكافحت الأمور وكافحتنـي  فلم أحفل بمعضـلة كـئود

وكدت أنال في الشرف الثريا  ولكن لا سبيل إلى الخلـود

وأدخلوا "النابغة الجعدي"، وأسمه "قيس بن عبد الله بن عدس" في المعمَرّين. ولكنه لم ينل من أهل الأخبار عمراً يستحق الذكر. إذْ منحوه أقصر ما يمكن من العمر بالنسبة للمعمرين. وهو عشرون ومائة سنة. وتفضل "أبو حاتم السجستاني" عليه فمنحه مائتي سنة. وأبو حاتم من. الكرماء جداً بالنسبة لمنح الأعمار إلى المعمرين. وقد أدرك الإسلام فأسلم. ومدح الإسلام بشعر. ويذكر انه جاء الرسول وأنشده من شعره.

وذكر "الجاحظ" نقلاً عن المتقدمين عليه، انهم "ذكروا انهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أولها سرو حمير، ثم فرغانة، ثم اليمامة، وان في الأعراب لأعماراً أطول، على إن لهم في ذلك كذِباً كثيراً".

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق