إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

السبت، 9 يناير 2016

910 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل التاسع و الأربعون الخطبة


910

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
 
الفصل التاسع و الأربعون

الخطبة


وغذا استقر الرأي على البنت، يذهب ولي أمر الرجل أو أقرب الناس إليه إلى ولي أمر البنت، كالأب أو الأخ أو العم أو بني عمها أو غيرهم ممن هم أقرب الناس اليها، يخطب البنت بعد إن يكونوا قد مهدوا لذلك وحددوا الصداق. وكان الخاطب إذا. دخل بيت أهل البنت حيّاهم ومن كان حاضراً بتحية أهل الجاهلية، مثل: انعموا صباحاً، أو عموا صباحاَ، أو أمثال ذلك، فإذا استقر به المقام، تكلم فيما جاء فيه، كأن يقول: نحن اكفاؤكم ونظراؤكم، فإن زوجتمونا فقد أصبنا رغبة واصبتمونا وكنّا لصهركم حامدين، وان رددتمونا لعلة نعرفها رجعنا عاذرين. ثم يجيب ولي أمر البنت جواب مناسباً يضمنه الرضى والقبول، وبذلك تكون البنت قد خطبت لذلك الرجل.

ووصف بعض أهل الأخبار طريقة من طرق الخطبة عند بعض الجاهليين، فقال: كان الرجل في الجاهلية يأتي الحي خاطباً، فيقوم في ناديهم، فيقول: خطب، أي جئت خاطباً. فيقال له: بعد الموافقة نكح، أي قد انكحناك إياها، ومن ذلك ما قدمت من خبر أم خارجة إن صحّ. وذكر إن "نكحاً" هي كلمة كانت العرب تتزوج بها.

ويرتدي أهل الخاطب وأهل المخطوبة خير ما عندهم من ملابسهم ويزينون أنفسهم عند مجيء أهل الرجل إلى بيت البنت لخطبتها. وإذا تمت الخطبة ضمخ والد الخطيبة بالعبير وخلِّق بالطيب ونُحير بعير أو أكثر على حسب منزلة أهل البنت. والعادة عند العرب إن ينحروا بعيراً أو شاة في المناسبات المفرحة المبهجة، فلا بد لمثل هذه المناسبات من "ذبيحة" وإسالة دم. ولما خطب النبي "خديجة" واجابته، استأذنت أباها في إن تتزوجه وهو ثمل، فأذن لها في. ذلك، وقال: هو الفحل لا يقرع أنفه. فنحرت بعيراً، وخلّقت أباها بالبعير، وكسته برداً أحمراً.

وكان الجاهليون يقولون الإبل تساق في الصداق: النوافج. وكانوا يقولون عند تقديمها: تهنئك النافجة. على إن بعضهم من كان يكره ذلك. وقد بطل هذا القول في الإسلام.

وتلبس العروس ثوباً يجعل له ذيل تسحبه حنن تمشي. لأنه يكون طويلاً، وقد أشير إليه في شعر لامرىء القيس. إذ. قال: لها قلب مثل ذيل العروس  تسد به فرجها من دبـر

كما أشر إليه في شعر لخداش بن زهر. إذْ قال: لها ذنب مثل ذيل الهديّ  إلى جؤجؤٍ أيدِ الزافر

والهديّ: العروس التي تهدى إلى زوجها.

واستعملت المرأة الغنية المسك والطيب في تطبيب جسمها وثيابها. حتى كان المسك يفوح من أردانها. قال قيس بن الخطيم: وعمرة من سروات النسا  ء تنفحُ بالمسك أردانهـا

و "الصدّاق" هو مهر المرأة، أي ما يدفعه الرجل إلى أهل البنت عند عقد الزواج، ويقال له الصَّدَقة والصَّدُقة والصُّدُقة والصَّداق. وترادف هذه الكلمة كلمة أخرى هي "مهر"، وهي من المصطلحات الجاهلية كذلك.

وطريقة العرب من جاهليين وإسلاميين في دفع الرجل "المهر" للزوجة، تناقض المألوف عند اليونان والرومان، حيث جرت عادتهم إن تقدم المرأة صداقها إلى زوجها نقوداً أو عيناً. وهي الطريقة المألوفة عند الغربيين حتى الآن. وكان الرومان يستغربون طريقة الجاهليين هذه في دفع المهر.

ويروي "روبرتسن سمث" إن ترادف معنى "الصداق" و "المهر" إنما حدث في الإسلام. أما في الجاهلية، فقد كان هناك فرق بن مدلول الكلمتين. فان المراد من كلمة الصداق عند الجاهليين هو ما يقدم إلى العروس. أما المهر، فهو ما يقدم إلى الوالدين.

والرجل إما إن يكون من ذوي قرابة البنت وإما إن يكون من الأباعد، أي غريبا عنها. فان كان من ذوي قرابتها، قال لها ولي أمرها إذا حملت إليه: أيسرتِ وأذكرتِ ولا انثتِ، جعل الله منك عدداً وعزاً وخلداً. أحسني خلقكَ، وأكرمي زوجك، وليكن طيبك الماء... ومثل ذلك من كلام. وإذا زوّجت في غربة قال لها: لا أيسرتِ، ولا ذكرتِ، فانك تدنين البعداء، أو تلدين الأعداء. أحسنى خلقك، وَتحببي إلى أحمائك، فان لهم عيناً ناظرة إليك، وأذناً سامعة اليك، وليكن طيبك الماء.

وإذا كان العرس أولموا وليمة، ودعوا إليها ذوي قرابة الزوجين وأصدقاءهم. وتتناسب الولائم مع مكانة العريس وأهله، للهو، فإن كان غنيتم كانت وليمته ضخمة، وربما دعوا إليها أهل الطرب، وقدّموا فيها المأكولات الشهية والخمور. ويقال الوليمة التي تقام "الملاك" ويقال "الإملاك"، ويقال الطعام الذي يقدم في "الإملاك" "الشندخ " لأنه يقدم الدخول. وإما ما يصنع الدخول بالمرأة، فيقال له: "وليمة " و "وليمة العرس". وكانوا يعدون ولائم العرس من الأمور اللازمة، ويفعل ذلك حتى القفير الضعيف الحال. وقد حث الإسلام عليها، فورد في الحديث إن الرسول قال لعبد الرحمن بن عوف: "أولم ولو بشاة".

وتزف العروس إلى زوجها، ومعها أصدقاؤها وأهلها: وقد يقتن ذلك بضرب الدفوف والغناء. وقد كان الأنصار يعجبهم اللهو، وهذا كانوا يهتبلون هذه المناسبات للهو فيها. ومما كان يقال في زف العروس: أتيناكـم أتـينـاكـم  فحيانـا وحـياّكـم

ولولا الذهب الأحمر  ما حلت بوادبـكـم

ولولا الحنطة السمرا  ما سمنت عذاريكم

ويقال لليلة التي تزف فيها العروس إلى زوجها ليلة الزفاف. ويعرف موكب الزفاف ب "الزفة" ويزف "العروس" إلى بيته أيضاً، فقد كان من عادة ذوي القرابة والأصدقاء إقامة وليمة له، إذا انتهت رافق المدعوون العريس إلى بيته في موكب يغنى فيه ويضرب بالدفوف. وقد يبقى المدعوون إلى الصباح؛ حيث يحيون ليلتهم، وهي ليلة العرس، بالشرب والغناء واللعب.

وتخلّق العروس بالعبير وبأنواع الطيب بحسب سعة حالها وأحوال أهلها المعاشية. وذكر إن "العبير" الزعفران وحده عند أهل الجاهلية. وذكر انه أخلاط من الطيب يجمع بالزعفران،، وورد إن العبير غير الزعفران. وقد اشتهر رداء العروس بطيب رائحته، لما فيه من العبير. قال الأعشى: وتَـبْـرُدُ بَـرْدَ رداءِ الـعـــرو  سِ في الصيف رقْرَفَتْ فيه العبيرا

وتزفت العروس إلى زوجها ليلاً: تزف على قدر حال العروسين، وقد تزف في النهار، ويرافق العروس "موكب" موكب من نساء ورجال على الإبل المزينة يسير والنيران بين يدي العروس. وقد توضع الأنماط على هودج العروس وفي بيتها. وقد منع استعمال النيران في الإسلام؛ لما في ذلك من التشبه بالمشركين، كما نهي عن استعمال أنماط الحرير.

وقد تزف العروس في محفة يقال لها "المزفة"، ومعها، أصحاب "الزفة". وذكر إن "الزفة"، الزمرة. "ومنه الحديث: انه صل الله عليه وسلم، قال لبلال حين صنع طعاماً في تزويج فاطمة، رضي الله عنها: "أدخل الناس عليّ زفةً زفةً" أي: فوجاً بعد فوج ؛ وطائفةّ بعد طائفة.

وفي المثل: "لا عطر بعد عروس" أول من قال ذلك امرأةّ اسمها: أسماء بنت عبد الله العُذّرية، واسم زوجها-وكان من بني عمها-"عروس". ثم مات عنها، فتزوجها رجل من قومها أعسر أبخر نحيل دمَيم، يقال له "نوفل". فما أراد إن يظعن بها، قالت: لو أذنت لي، رثيت ابن عميّ، وبكيت عند رمسه? فقال: إفعلي. فقالت: أبكيك يا عرس الأعراس، يا ثعلباً في أهله، وأسداً عند الباس، مع أشياء ليس يعلمها الناس! فقال: وما تلك الأشياء? فقالت: كان من الهمة غير نَعّاس ويعمل السيف صبيحات الباس. ثم قالت: يا عروس الأغر الأزهر، الطيب الخيم، الكريم المحضر، مع أشياء لا تذكر فقال: وما تلك الأشياء? قالت: كان عيوفاً للخنا والمنكر، طيب النهكة غير أبحنر، أيسر غير أعسر. فعرف الرحل إنها تعرّض به. فلما رحل بها، قال: ضميّ عطرك. وقد نظر إلى قشوة عطرها مطروحة. فقالت: "لا عطر بعد عروس" فذهبت مثلاً. أو "لا مخبأ لعطر بعه عروس".

وتحمل العروس معها أدوات زينتها وموادها الأخرى تضعها في قشوة: قفة من خوص يجعل فيها مواضعها للقوارير بحواجز بينها لعطر المرأة وقطنها، قال الشاعر: لها قشوة فيها ملابٌ وزنبقٌ  إذا عزبٌ. أسرى إليها تطيبا

ويقال البنت العذراء التي لم تقتض "البكر". ويقال ذلك للرجل الذي، لم يقرب امرأة بعد. وزوجها الأول هو الذي يفتض بكارتها. وإِذْ كانت لسلامة بكارة البنت مكانة عند العرب، كانوا يعرضون دم البكارة على الأقارب، ليكون شهادة على سلامة بكارتها. ويكنى عن البكارة والبنت البكر ب "بنت سعد".

والزواج حادث مهم في حياة الإنسان، ولذلك يعلن عنه بفرح وسرور، ويقال لذلك "بشاشة العرس". يعلن عنه بدعوة "وليمة" تولم لذوي القربى والأحباء والجيران والأصدقاء، تقترن بالغناء وبالضرب على الدفوف أحياناً، وبارتداء ملابس نظيفة مناسبة، أو ملابس مصبوغة بصفرة، والصفرة عند أهل الحجاز في. ذلك العهد علامة العرس والفرح والسرور، كما كانوا يصبغون أيديهم ولحاهم بالزعفران، ويكحلون عيونهم، والكحل عندهم من الزينة أيضاً. ويقال الطعام يصنع لعرس: "الوليمة"، وقد ذهب بعض علماء اللغة إلى إن اسم الوليمة مختص بطعام العرس. وقد حث الإسلام عليها. ورد في الحديث قوله لعبد الرحمن بن عوف: أولم ولو بشاة.

ويقابل الزوج على تفضله بالدعوة إلى الوليمة بكلمات فيها خير وشكر وتمنيات الحياة الزوجية الجديدة، ويقال له عند الانتهاء والانصراف: على الطائر الميمون، وبالرفاه والبنين. وقد كره في الإسلام القول: بالرفاه والبنين لأنه من أقوال الجاهلية، ولما فيه من الإشارة إلى بغض البنات، لتخصيص البنين بالذكور، وإحياء سنن الجاهلية.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق