908
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
المناكح الكريمة
وقد روي عن "أكثم بن صيفي" قوله: "المناكح الكريمة مدارج الشرف". ولهذا حرصوا على تطبيق قاعدة التكافؤ في الزواج، واختيار كرائم البنات لكرائم الرجال. وروي إن جملة ما أوصى به "الحارث بن كعب" سيّد مَذْحِج قومه إن "تزوجوا الأكفاء، وليستعملن في طيبهن الماء، وتجنبوا الحمقاء. فان ولدها إلى أفنٍ ما يكون، إلا انه لا راحة لقاطع القرابة" وقد عرفت هذه القاعدة قي "الكفاءة في النكاح". وهي إن يكون الزوج مساوياً المرأة في حسبها ودينها ونسبها وبيتها وغير ذلك.
والمرأة في نظر العرب وعاء للولد. هذه نظرتهم إليها في الجاهلية وفي الإسلام. قال "عروة بن الزبير": " لعن الله فلانة، ألفتُ بني فلان بيضاً طوالاً، فقلبت هم سوداً قصِاراً". وفي هذا المعنى جاء في الشعر: وأول خبث الماء خبث ترابـه وأول خبث القوم خبث المناكح
وللأم أثر خطير في الولد. وقد ذكر "الجاحظ" إن العرب تقول: "عرق الخال لا ينام". وان كثيراً من العلماء يزعمون إن عرق الخال أنزع من عرق العم. ومن دلائل ذلك تباهي الناس بأخوالهم، واعتبار الخال بمنزلة الوالد. وقول العرب: "لئيم الخال"، واحتماء الأولاد بأخوالهم ولجوؤهم إليهم أكثر بن لجوئهم إلى أعمامهم. ودعوتهم لهم عند العصبية. وقول العرب "العرق دساس" و " عرق الخال".
ولكننا لا نستطيع القطع برأي العرب في موضوع "دس العرق". وفي إن أياً هو أكثر أثراً ووضوحاً في الولد: عرق الخال، أم عرق العم? فهناك أمثلة في التأريخ الجاهلي تظهر إن من الجاهلين من كان يقدم العم على الخال، ويرى إن العم مقام الوالد. ولما كان الوالد هو الأصل في النسب عند الجاهليين، وهو الولي وصاحب الحق الشرعي الأول في ولده، يكون هذا الحق في إخوته بعد وفاته. كما أننا في إن بعض الأولاد كانوا ينزعون إلى أعمامهم أكثر من نزوعهم إلى أخوالهم. وموضوع نزع العرق عند العرب، اعتباري اصطلاحي بالطبع، يمثل وجهة نظرهم في النسب، ولا يقوم على أسس "بيولوجية" أي من ناحية اثر الدم وانتقال الخصائص الدموية من الوالد، أو من الأم إلى الولد. وهو موضوع علمي، يختلف عن هذه النظرة الاعتبارية، من حيث انه يقوم على الدراسات العلمية، ولا يأخذ بالاعتبارات والآراء المبينة على اعتبارات أهل النسب في خصائص الولد.
والظاهر إن الوئام لم يكن واقعاً دائماً بين أبناء العم، إذْ نجد إن الخصومات طالما كانت تحدث بينهم. ولعل ذلك بسبب ما ألقاه المجتمع على عاتق العمّ من تبعات أولاد إخوته حين وفاة الأخ، فانه يكون بحسب العرف القبلي الوصي الشرعي على أولاد المتوفى، وله حق في إرثه بحسب قانون "العصبة" عند وفاة الأخ عن بنات ومن غير أبناء، أو لطمع الأعمام في أموال اليتامى، إلى غير ذلك من أمور سببت حدوث خصومات أحياناً بين الأعمام وبن أبناء الاخوة، أو بين أبناء الأعمام. ولعل هذه الخصومات هي الني جعلت "الجاحظ" يتصور إن أبناء العم محسودون.
ونجد العرب يقولون: "عرق فيه أعمامه وأخواله"، فقدموا الأعمام على الأخوال، واعترفوا بأثر عرق الاثنين في الولد، من كرم أو لؤم، إذْ يكون دس العرق في اللؤم والكرم.
ولاحظ العرب إن الأبوين قد يلدان ولداً يكون لونه مغايراً للونهما، فيحدث نزاعاً بين الرجل وزوجته في هذه الولادة الغريبة، وتتهم المرأة أحياناً باتصالها برجل غريب جاء منه هذا المولود، إلا إن منهم من أدرك "دس العرق" في هذه الولادة، واحتمال انتقال هذا اللون من آباء أحد الوالدين. وقد اختصم رجل مع زوجته في مولود ولد له، فجاء إلى رسول الله وقال له: إن امرأتي قد ولدت غلاماً أسود، فقال له الرسول: "لعل عرقا نزعه". فاعتقاد العرب إن الولد قد ينزعه عرق من الأب. وفي هذا المعنى أيضاً قول "ابن الزبير": "لا يمنعكم من تزوجّ امرأة قصرها، فإن الطويلة تلد القصير، والقصيرة تلد الطويل، وإياكم والمذكَرة فإنها لا تنجب". والمذكرة المتشبهة بالذكور.
وقد حرص العرب لما تقدم على التزوج في الأسر الصحيحة السالمة من الأمراض والعيوب، ليكون النسل صحيحاً نجيباً. قال أعرابي لصاحب له: "إذا تزوجت امرأة من العرب فأنظر إلى أخوالها، وأعمامها، واخوتها، فإنها لا تخطئ الشبه بواحد منهم".
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق