907
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
حق المقدم في الزواج
ويقدم ابن العم على غيره في الزواج، فإذا جاء رجل يريد خطبة ابنة رحل، سئل ابن عمها إن كان لها ابن عم عن رأيه في ابنة عمه، فإن أظهر رغبته في الاقتران بها قدم على غيره، وزوجت منه، وان أظهر انه. غير راغب فيهاُ زوّجت من غيره. ذلك لأن ابن العم مقدم على كل أحد في الزواج من ابنة العم، وقد يأبى ابن العم من تزويج ابنة عمه من غيره ويصر على إن تكون له، ولكنه يأبى إن يحده موعداً الزواج منها، ويتركها أمداً طويلا تنتظر حتى يرى رأيه، وقد تأبى ابنة العم الزواج من ابن عمها، ويأبى ابن عمها إلا الزواج منها، فتنشأ من ذلك منازعات وخصومات قد تصل إلى إراقة الدم.
ومع وجود عرف إن القريب أولى بالبنت من البعيد، فإن العرب تراعي في الغالب إنكاح البعداء والأجانب. يرون إن ذلك أنجب للولد وأبهى للخلقة، وأحفظ لقوة النسل ؛ لأن إنكاح الأهل والأقارب يضر بالمولود ويسمه بالضعف والهزال، ويزعمون إن نقارب الأنساب مدح في الإبل، لأنه إنما يكون في الكرائم يحمل بعضها على بعض حفظاً لنوعها، وذم الناس. لأنه فيهم سبّب الضعف. وبهذا المعنى ورد الحديث: "اغتربوا ولا تضووا" أي إن تزوج القرائب يوقع الضوى في الولد، والضوى: الضعف والهزال. وقد أوصى "حصن بن حذيفة بن بدر" قومه إن "ينكحوا الكفء الدريب، فإنه عز حادث ". وقال "عمر" مخاطباً آل السائب: "يا بني السائب، أنكم قد أضويتم، فانكحوا في النزائع". أي تزوجوا في البعاد الأنساب، لا في الأقارب، لئلا تضوى أولادكم. والنزائع جمع نزيعة، وهي المرأة التي تزوج في غير عشيرتها. وأضوى: ولد له ولد ضاو أي ضعيف.
وروي إن رجلاً قال: بنات العم أصبر والغرائب أنجب، وما ضرب رؤوس الأبطال كابن أعجمية. وقد أدركوا أثر العرق في الولد. قال رجل: لا أتزوج امرأة حتى أنظر إلى ولدي منها، قيل له: كيف ذلك? قال: أنظر إلى أبيها وأمها، فإنها تجر بأحدهما. وقال بعض الشعراء: إذا كنت تبغـي أيمـاً بـجـهـالة من الناس فانظر من أبوها وخالها.
فإنهما منها كما هي مـنـهـمـا كقدّك نعلاً إن أريد مـثـالـهـا
فإن الذي ترجو من المال عندها سيأتي عليه شؤمها وخبالـهـا
ويراعى التكافىء في الزواج، فالأشراف لا يتزوجون إلا من طبقة مكافئة لهم، والسواد لا يتجاسرون على خطبة ابنة سيد قبيلة أو ابنة أحد الوجهاء، ويعير السيد الشريف إن تزوج بنتاً من سواد الناس، ولا سيما إذا كانت ابنة صائغ أو نجار أو ابنة رجل يشتغل بحرفة من الحرف اليدوية لأنها من حرف العبيد. وقد عيّر "النعمان بن المنذر" بأمه، لأنها كانت ابنة يهودي صائغ، على ما يزعمه أهل الأخبار. ولم يكن من المستساغ عرفاً تزويج ابنة رجل حرّ من عبد مملوك أو مفكوك الرقبة، ولم يكن من الممكن تزويج البنت الأصيلة الحرّة من ابن عبد أو من حفيد عبد، أو من حفيد حفيد عبد، وهكذا لأن سمة العبودية والضَّعَة تلازم الأسر، وان تحررت وحسن حالها وصارت غنية، وما زال هذا المحرف قائماً في جزيرة العرب.
ويقدم العرب البيت على الجمال. فللبيات أثر في أخلاق المرأة وفي نجابة الأولاد، وهو أثر دائم. والجمال صورة زائلة. فكانوا يهتمون بالبيت الطيب المنجب، ليكون النسل نجيباً صحيح البنية والعقل لقد علمتهم الطبيعة، وتبين من تجارب الحياة إن لبيت البنت أثراً كبيراً في مستقبل الأسرة وفي نجابة الأولاد وصحة أجسامهم وسلامتهم من المرض. لشاك فضلوا أصالة البيت على جمال المرأة. لما للأصالة من أثر في الوراثة التي تنتقل من الأبوين إلى الأولاد. ونجد هذا المسلك عند غير العرب من الساميين أيضاً، ورد في التلمود: "لا تحفل بجمال المرأة. وانظر إلى أسرتها". وروي إن رجلاً شاور حكيماً في التزوج، فقال له: افعل، وإياك والجمال الفائق، فإنه مرعى أنيق. فقال: ما نهيتنْي إلا عما أطلب، فقال: أما سمعت قول القائل: ولن تصادفَ مرعىً مُمرِعاً أبداً إلا وجدتَ به آثار منـتـجـع
وورد في الحديث: "إياكم وخضراءَ الدمن، قيل: يا رسول الله، وما خضراء الدمن? قال: المرأة الحسناء في منبت السوء". فللمنبت شأن كبير في الزواج وفي أخلاق الولد، فلا قيمة المرأة الحسناء إذا كانت من بيت سوء.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق