901
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل التاسع و الأربعون
زينة المرأة
والمرأة الحضرية أكثر تفنناً واعتناء بنفسها من الأعرابية، بسبب اختلاف المحيط والوضع الاقتصادي. ولها من أمور الزينة ما لا تعرفه الأعرابيات، من وسائل تجميل وتحلية جسم وملبس. ولا سيما النساء الغنيات القريبات من مواطن الأعاجم. فقد تأثرن بالأعجميات وأخذن منهن ما راق لهن من ملبس وزينة وطيب وحلية.
والعادة إن المرأة تضفر شعر رأسها ضفائر وغدائر، أما الرجال فيتخذون لهم ضفيرتين، تتدليان على طرفي الوجه إلى المنكبين. ويقال الضفيرة: العقيصة. وذكر ن "العقيصة" الدؤابة. وذكر بعض علماء اللغة إن كل عقيصة غديرة. والغديرتان الذؤابتان تسقطان على الصدر. وقيل الغدائر النساء،وهي المضفورة. والضفائر الرجال. وقبل العقص الفتل، أي فتل الشعر، وهو إن يلوى الشعر حتى يبقى ليُّه، ثم يرسل. وذكر بعض علماء اللغة إن العقص إن تأخذ المرأة كل خصلة من شعر فتلويها ثم تعقدها حتى يبقى فيها التواء ثم ترسلها، فكل خصله عقيصة. وقد عرف "ضمام بن ثعلبة" أحد بني سعد بن بكر ب "ذي العقيصتين"، وكان أشعرَ ذا غديرتين. وكان خصل شعره عقيصتين وارخاهما من جانبيه. وهو من الصحابة.
ويعدّ شعر المرأة من أثمن الأشياء عندها لذلك تستعز به وتحافظ عليه، وتسعى لإثارته وتنشيطه، وهي لا تحلقه إلا إذا نزلت بها نازلة، مثل موت زوجها أو عزيز آخر عليها، ويعدّ ذلك غاية في التضحية وفي إظهار حزنها على رجلها الراحل العزيز. فإذا مات عزيز حلقت المرأة شعرها وذَرَّت التراب أو الرماد على رأسها، إظهارا لشدة ألمها وحزنها على ميتها. ويقال لها "الحالقة". وقد لعن الرسول من النساء الحالقة والصالقة والخارقة. والحالقة التي تحلق شعرها في المصيبة. وقد ضرب بها المثل في الشؤم. لأن من عادة الناس في الجاهلية انهم إذا أصيبوا بمصيبة حلقت النساء شعورهن. والى ذاك أشير في شعر الخنساء: ولكني رأيت الصبر مخيراً من النعلين والرأس الحليق
وأصل ذلك إن المرأة كانت إذا أصيب لها كريم حلقت رأسها وأخذت نعلين تضرب بهما رأسها وتعفره. وفي هذا المعنى جاء في الشعر: ألا قومي أولو عقرى وحلقى لما لاقت سلامان بن غنـم
ولهذا السبب اعتبرت الحالقة علامة من علامات الشؤم ونذيراً من نذر الفرقة يضرب بها المثل. وفي الحديث: "دبّ الكم داء الأمم: البغضاء والحالمَة". "هي قطيعة الرحم والتظالم والقول السيء".
ويسرح الشعر ب "المشط". وقد عرفه الجاهليون، وهو من آلات التجميل القديمة.. وقد أشير إليه في الحديث. كما أشير إليه في الشعر. ورد قول عبد الرحمن بن حسان: قد كنت أغنى ذِي غنى عَنْكُم كما أغنى الرجالِ عن المِشاطِ الأقرع
وتمشط شعر العرائس "الماشطهَ"، فتقوم بترجيله وتجميله لخبرتها فيه. ويكون المشط من خشب في الغالب، وقد يعمل من ذهب أو فضة أو من معدن آخر، وقد يتخذ من "العاج".
وتغسل المرأة رأسها بطينٍ وأشنان وخطمى وتحوه لتنظيفه. وقد تغتسل بالطيب، وذلك بالنسبة للغنيات. وإذا انتهت من غسله استعملت "الغسلة"، وهو ما تجله المرأة في شعرها عند الامتشاط من طيب وورق الآس يطرّى بأفاويه من الطيب ويمتشط به. والطين أنواع، يختلف باختلاف طبقات الأرض. واجوده الحرّ النقي الخالص بعد رسوب الماء، ويستعمل في تنظيف الشعر.
وقد كانت القبائل إذا أرادت الصبر في القتال، والوقوف في الحرب إلى النهابة وحتى النصر، حلقت نساؤها شعورهن، لبث الشجاعة في نفوس المقاتلين وإذكاء نار الشجاعة فيهم. وذكر إن "يوم تحلاق اللِّمم"، إثما سمي بذلك، لأن شعارهم كان الحلق. وكان لتغلب على بكر بن وائل.
وتجملت المرأة الجاهلية وتزينت على قدر حالا وإمكانها، لتظهر بذلك جمالها وأنوثتها على سنة الطبيعة، وعلى عادة المرأة بل والإنسان: رجلاً كان أو امرأة في كل وقت وزمان، من حبه في إظهار الزينة وحسن المظهر. جَمَّلت نفسها بالاعتناء بالنظافة وبالثياب وبالحلية، كالخلخال والسوارين والخاتم والقُلبين والقلب والفتخة والمسكة والقرطين والقلائد الأخرى، وبالتجميل بالكحل وبالمساحيق التي توضع على الوجه والسمن الذي يدهن به الشعر وخضاب الكف والقدم، وبالوشم وما شاكل ذلك من أمور تجميل وتحلية كانت معروفة في ذلك العهد.
ومن وسائل الزينة: الوشم غرز إبرة ونحوها في عضو حتى يسيل الدم ثم يحشى بنؤور أو بالكحل أو بالنيلج أو نهوها فيزرق أثره أو يخضر. وكانوا يقصدون بذلك التزّين فينقشون به غالب أبدانهم، أنواعا من النقوش من صور حيوانات أو نبات أو صور إنسان وكذلك الشفاه، فترى غالب شفاه نسائهم زرقاً. والأطفال منهم يوشمون في بعض المحال من وجوههم لقصد الزينة. وكذلك الرجال. وذكر إن الرسول قد نهى عن ذلك في حديث: لعن الله الواشمة. أو لعن الله الواشمة والمستوشمة.
وكانوا يعتنون بتجميل حواجبهم وإزالة الشعر من وجوههم ب "النماص" وهو "المنقاش". وعرفت مزينة النساء ب "النامصة". وهي مزينة بالنمص. وذكر إن النمص نتف الشعر. وان المشط ينمص الشعر وكذلك المحسة لأن لها أسناناً كأسنان المشط. ويقال إن النماص مختص بإزالة الشعر من الحاجبين ليرققهما أو ليسوّيهما. وفي الحديث: لعنت النامضة والمتنمصة.
وعنوا بالأسنان فاستعملوا المبرد لبرد ما بين الثنايا والرباعيات، لتجميلها. وقد لعنت المتفلّجات في الحديث. والمتفلجات جمع متفلجة التي تفلج ببن الأسنان. وعنوا بتبيض الأسنان باستخدام "المسواك"، وهو ما يدلك الفم. ويكون من عيدان بعض الأشجار ذات الرائحة الطيبة. وقد أشير إليه في الحديث.
ويقص الشعر والظفر بالمقص، أي المقراض وهما مقصان. يقص به الرجل شعره، كما تقص به المرأة. وتتخذ المرأة "القُصة" في مقدم رأسها تقص ناصيتها ما عدا جبينها.
وذكر إن من نساء الجاهلية من كنّ يقمحن لثَتهن ب "النوور"، حصاة كإثمد تدق فتسفها اللثة. وكن يتّسمن ب "النؤر". وهو دخان الشحم أو دخان الفتيلة، يتخذ كحلاً أو وشماً، وخصصه بعضهم بالوشم.
ولم تنسَ المرأة الجاهلية زينتها، فزينت نفسها ب "الحليّ" من ذهب وفضة ومعادن أخرى ومن أحجار كريمة وأحجار تلفت النظر وبالعظام أيضاً وبالخرز. ومن الحليّ "الأساور" المصنوعة من الذهب، بالنسبة إلى المرأة الموسرة، والحليّ المطعمة باللؤلؤ. ومن الحليّ؛ ما يزين به الرأس والعنق، ومنه ما يزين به الأيدي أو الأرجل. وسأتحدث عنها في القسم الخاص بالحرف، بشيء من التفصيل.
و "الكرم": القلادة. وقيل هي القلادة من الذهب والفضة، وقيل تكون من لؤلؤ أيضاً.
ويضفر شعر رأس الأطفال ذوائب، أي ضفائر تتدلى على رأسه وعلى ناصيته. ومنى كبر الطفل وبلغ سنّ الرشد، أو شعر برجولته، ضفرت له ذؤابتان، وهي علامة الشباب والرجولة عندهم. وقد كان الساميوّن يحتفلون بحلق الذوإئب، لأن هذا الحلق معناه إنتهاء مرحلة من الحياة ودخول الطفل مرحلة الرجولة، وهي مرحلة الحياة الصحيحة. وكانوا يرمون الذوائب أمام الأصنام. والعادة انهم يضفرون الأطفال سبع ضفائر. وهي عادة معروفة عند الجاهليين أيضاً،، ولا تزال متبعة عند الأعراب وأشباه الحضر. وقد يعلقون حلياً على كل ضفيرة، وذلك إمعاناً منهم في تدليل الطفل وفي إراءة جماله. فالزينة وتعليق الحلي من مظاهر التدليل والتجميل.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق