1391
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الثاني والسبعون
الحج والعمرة
الحمس والطلس والحلة
ونقرأ في كتبهم رواية أخرى تذكر ان أحداً من الحلة اذا لم يجد ثياب أحمسي يطوف فيها ومعه فضل ثياب يلبسها، غير ثيابه التي عليه فطاف في ثيابه ثم جعلها لقى يطرحها بين أساف ونائلة فلا يمسها أحد ولا ينتفع بها منتفع حتى تبلى من وطء الأقدام والشمس والرياح والأمطار.
وقد ذكر "محمد بن حبيب" ان "الحلة" كانوا اذا دخلوا مكة "تصدقوا بكل حذاء وكل ثوب لهم ثم استكروا لهم من ثياب الحمس تنزيهاً للكعبة ان يطوفوا حولها إلا في ثياب جدد. ولا يجعلون بينهم وبين الكعبة حذاء يباشرونها باًقدامهم. فإن لم يجدوا ثياباً طافوا عراة. وكان لكل رجل من الحلة حرمي من الحمس يأخذ ثيابه. فمن لم يجد ثوباً طاف عرياناً. وانما كانت الحلة تستكري الثياب للطواف في رجوعهم إلى البيت لأنهم كانوا اذا خرجوا حجاجاً لم يستحلوا أن يشتروا شيئاً ولا يبيعوه حتى يأتوا منازلهم إلا اللحم. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حرمى عياض بن حمار المجاشعي: كان اذا قدم مكة طاف في ثياب رسول الله".
فالذي يطوف بالبيت عرياناً، هو ضعيف "الحلة"، ممن لا قبل له على استكراء ثياب له من أحمسي، وممن لا صاحب له من الخمس، يعطيه ثياباً ليلبسها. أما المتمكن من "الحلة"، ومن له صديق من الحمس، فلا يطوف عرياناً وانما يطوف بثياب أحمسي.
ويرىَ "روبرتسن سمث" ان الذي أوحى إلى الجاهليين وجوب طرح ملابس الحلة اذا أحرم فيها،اعتقادهم بتقدس تلك الملابس في أثناء الإحرام مما يجعلها في حكم ال "تابو" Tabu عند الاْقوام البدائية، ولذلك لا يجوز استعمالها مرة أخرى، وهم أنفسهم قوم غير مقدسين.
وقد منع الإسلام طواف "العريّ" في أي وقت كان، وحتم على الجميع قريش وغيرهم لبس "الإحرام". وقد ذكر علماء التفسير في تفسير قوله تعالى: )واذا فعلوا فاحشة، قالوا وجدنا عليها اباءنا، والله أمرنا بها. قل: إن الله لا يأمر بالفحشاء. أتقولون على الله ما لا تعلمون( ان هذه الاية نزلت في حق المتعرين الذين كانوا يطوفون بالبيت عراة، "فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك قالوا وجدنا عليها اباءنا والله أمرنا بها"، "فنحن نفعل مثلَ ما كانوا يفعلون، ونقتدي بهديهم ونستن بسنتهم. والله اْمرنا به فنحن نتبع أمره فيه". فنحن اذن أمام سنة جاهلية قديمة، ترجع طواف العري إلى أمر سابق وشريعة سابقة.
وأما "الحمس"، فهم الذين كانوا يطوفون بثيابهم، ثم يحتفظون بها فلا يلقونها، فلهم من هذه الناحية ميزة امتازوا بها على الحلة. ولهم على الحلة ميزة أخرى، هي انهم كانوا يقفون الموقف في طرف الحرم من "غرة": يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة ولا يقفون موقف غيرهم بعرفة، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل. وحجتهم انهم أهل الحرم فلا يخرجون منه مثل ساثر الناس. ويقولون: "نحن أهل الحرمة وولاة البيت.وقطان مكة وساكنها،فليس لأحد من العرب مثل حقنا ولا مثل منزلتنا ولاتعرف له العرب مثل مانعرف".
وتفسير كلمة "الحمس" في رأي علماء اللغة التشدد في الدين، سمّوا حمساً،لأنهم كانوا يتشددون في دينهم، فكانوا اذا زوّجوا امرأة منهم لغريب عنهم، أي لمن كان من الحلة اشترطوا عليه ان كل من ولدت له، فهو أحمسي على دينهم. وكانوا اذا أحرموا لا ياًتقطون الاقط، ولا يأكلون السمن ولا يسلؤونه ولا يمخضون اللبن، ولا يأكلون الزبد،ولا يلبسون الوبر ولا الشعر ولا يستظلون به ما داموا حرماً، ولا يغزلون الوبر ولا الشعر ولا ينسجونه، وانما يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئاً من نبات الحرم. وكانوا يعظمون الأشهر الحرم ولا يخفرون فيها الذمة ولا يظلمون فيها، ويطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم. وكانوا اذا أحرم الرجل منهم في الجاهلية وأول الإسلام، فإن كان من أهل المدر نقب نقباً في ظهر بيته فمنه يدخل ومنه يخرج ولا يدخل من بابه. وكانوا يقولون: لا تعظموا شيئاً من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج فلا يهاب الناس حرمكم، ويرون ما تعظمون من الحل كالحرم، فقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل، فلم يكونوا يقفون به ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم من نمرة: يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة. فإذا عممت الشمس رؤوس الجبال دفعوا. وكانوا يقولون: نحن أهل الحرم، لا نخرج من الحرم،ونحن الحمس.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق