إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 13 يناير 2016

1051 ( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي الفصل الخامس والخمسون الحروب المحاربون


1051

( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
    
الفصل الخامس والخمسون

الحروب

المحاربون

وقد تركت "الدوسر" و "الشهباء" أثرأَ في ذاكرتهم، نجده في شعرهم، مع ان الكتيبتين لم تكونا على مستوى عال من التدريب والتسليح. وقد كانوا يخشون من الالتحام بالجيوش الآشورية والبابليةّ والرومية، لتفوق تلك الجيوش، عليهم، فإذا تعقبتهم هربوا إلى البادية، حيث يجدون لهم عندئذ المأوى الصالح الأمين المناسب لهم، للوقوف أمام الجيش النظامي. ويكون وقوفهم أمامه على هيئة كرّ وفرّ، وهجوم من جوانب مختلفة. فإن وجدوا جلداً من ذلك الجيش وقوة ضاربة، هربوا إلى قلب البادية.

ويظهر مما ذكره "سترابو" عن الجيوش العربية الجنوبية، انها لم تكن مدربة على القتال، ولم تكن مجهزة بأسلحة حسنة حديثة بالنسبة إلى أسلحة الرومان في ذلك الوقت. ولم تكن منظمة ومقسمة. إلى وحدات محاربة يسيرّ أمورها ويوجهها في القتال ضباط لهم خبرة وعلم بأساليب القتال. ولهذا تقدم الجيش الروماني بكل سهولة نحو اليمين، دون أن يجد أمامه مقاومة تذكر، مع ان جيشهم لم يكن من الجيوش الحسنة التنظيم، المدربة تدريباً حسنا، لمقاومة الجيوش النظامية ونجد في تغلب "الحبش" ودخولهم العربية الجنوبية وتحكمهم بها مراراً، ما يؤيد أن العربية الجنوبية لم تكن تملك جيشأَ منظماً مدرباً على مقاتلة الجيوش النظامية، وانما كانت تملك "عساكر" تعرف قتال الأعراب وأهل القوى، بأسلحة لم تحاول الحكومات تحسينها وتجديدها وفقاً لتطورالسلاح في العالم. مع العلم ان الجيش أنفسهم لم يكونوا أصحاب جيوش منظمة ولا مدربة تدريباً حسناً، ولا مزودة بأسلحة جيدة حديثة على طراز أسلحة اليونان والرومان والفرس. وقد تحكموا مع ذلك في اليمن حتى جاءهم الفرس، فأخرجوهم منها قبيل الإسلام، مع ان الذين أخرجوهم كانوا من قطاع الطرق ومن المتصعلكة، وقد جاؤوهم بسفن قديمة، ولم يكونوا من المحاربين النظاميين المدربين على القتال.

ويظهر أن حكّام العربية الجنوبية،كانوا يعتنون بجمع العساكر وتكوين، الجيوش للقضاء على خصومهم،ولكنهم لم يحفلوا بأمر تنظيم الجيش وتدريبه وتجديده وتحسين سلاحه. مع أن أمر التنظيم والتدريب والتسليح وكيفية استخدام الجندي لسلاحه، من أهم أمور التغلب في الحروب والإنتصار على الأعداء. ولهذا كانوا يتغلبون على خصومهم في العربية الجنوبية وعلى القبائل، لأنهم دونهم بكثير في المستوى وفي الإمكانيات. ولما كانت حروبهم حروبأَ داخلية، لم تتجاوز حدود جزيرة العرب، وإذا تجاوزتها، كان اتجاهها سواحل إفريقية، وهي بلاد غير متقدمة ولا تملك جيوشاً نظامية مدرّبة، لذلك لم يحفل أولئك الحكام بأمر الانفاق على الجيش لتنظيمه وتدريبه وتحسين سلاحه ومستواه ووضعه في ثكنات صحية وتجهيزه بالعربات وبالخيل، لتعطي السرعة للجيش في القتال والحماية اللازمة للمشاة. وبقوا يسيرون على الطريقة التقليدية التي أملتها طبيعة أرضهم عليهم من الاعتماد على عساكر "اسد" الملك وعلى عساكر الاقطاعيين وعلى المرتزقة وعلى الحشور الذين يجمعون جمعاً عند وقوع حرب.

ولم يعتن العرب الجنوبيون بتحسين السفن وتجديدها وتحصينها للمحافظة بها على سواحلهم الطَويلة. فما ظهر الرومان والبيزنطيون في البحر الأحمر، لم يتمكنوا من الوقوف أمامهم. فانتزعوا منهم السيادة على هذا البحر بسهولة، واتصلوا بالسواحل الإفريقية وبلغوا "سيلان" وسواحل الهند. وفقد العرب ما كان لهم من ممتلكات في السواحل الإفريقية المقابلة. بل صارت سواحلهم عرضة لهجمات سكان تلك السواحل، ولتدخل الحبش مراراً في بلادهم. مع أن الحبش أنفسهم لم يكونوا أصحاب سفن جيدة كبيرة، ولا اسطول قوي،حتى أن الروم ساعدوهم بأسطولهم في نقل قواتهم لاحتلال اليمن. ولم يرد في روايات أهل الأخبار ولا في أخبار الموارد اليونانية ما يفيد بتصدي السفن العربية الجنوبية للمغيرين الأحباش، ولا بوقوع أية معركة بحرية بين العرب والحبش أو غيرهم في البحر. ويدل نزول الحبش على السواحل العربية بيسر وسهولة على عدم وجود تحصينات بحرية على السواحل، وعلى ضعف الجيش في ذلك العهد.

ولطبيعة بلاد العرب أثر كبير بالطبع في ظهور هذا التخلف الملحوظ في بناء القوة العسكرية. فمعظم أرض جزيرة العرب أرضون سهلة منبسطة لا يجد فيها أصحابها مواضع طبيعية يتحصنون بها في حالتي الدفاع والهجوم. لذلك صار القتال فيها وجهاً لوجه، والتغلب فيه للمحارب الذي يملك وسائل الحرب السريعة من إبل وخيل وعدة. ثم إن الفقر العام الذي ساد جزيرة العرب آنذاك وفقرها من ناحية الموارد الطبيعية وتغلب الجفاف والحرارة عليها، جعلت العرب كتلاً، أي شعوباً وقبائل، مشتتة مبعثرة، تعيش حول ما تجده من ماء ومن مورد رزق، وكأنها أمم متباينة، لضيق أفق المعيشة فيها، ولتقاتلها فيما بينها على الماء وموارد الرزق الشحيحة. وأوضاع مثل هذه لا تساعد على التجمع وعلى تكوين دولة قوية كبيرة، تجمع جيشاً قوياً مدربا ذا عدة وعدد، يستطيع الصمود أمام الجيوش النظامية المدربة التي تملكها الحكومات الغنية مثل حكومات البيزنطيين والفرس،الني غذت جيوشها بالمال وبالجنود المحترفين المدربين على القتال وبالضبط المتخصصين بشؤون الحرب وبالعدد والعدة المتطورة وبالمال. ولهذا لم تتمكن "عساكر" الجاهليين من الوقوف أمام الجيوش النظامية، لتفوق هذه الجيوش عليها في التنظيم وفي التدريب وفي السلاح وفي كيفية استعمال الأسلحة: واستغلال المواقف وتطبيق العلم على الأرض التي يقع فيها القتال، وفي التغذية والعناية بأحوال الجندي.

 يتبع

( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )

يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق