1040
( المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) د. جواد علي
الفصل الرابع والخمسون
الغزو وأَيام العرب
أيام العرب
العادة في الجاهلية ألا قتال في الأشهر الحرم لقدسيتها ومكانتها، فهي أشهر حرم يستريح فيها الأفراد والقبائل من القتال , ويكون الإنسان فيها آمناً على نفسه وماله، فيظهر فيها الفرسان المعروفون بسفكهم الدماء دون خوف وإن كانوا يتقنعون بقناع حين حضورهم الأسواق مثل عكاظ خوفا من وقوف طلاب الثأر على حقيقتهم، فيتعقبون خطاهم، فيفتكون بهم بعد انتهاء الأشهر الحرم. ويذهب في هذه الأشهر الناس إلى الأسواق للامتيار، والى الكعبات للحج إلى الأصنام، ثم يعودون إلى منازلهم مع انتهاء الأيام الحرم خشية حلول الأشهر الأخرى فيتعرضون لطمع الطامعين وغزو الغازين.
ومع ما لهذه الأشهر من الحرمة، فقد وقعت فيها حروب عرفت بحروب الفجار وبأيام الفجار، لأن من اشترك فيها كان قد فجر فيها بانتهاكه قدسية هذه الأشهر الحرم. ولكنها على ما يظهر من وصف الإخباريين لها لم تكن حروباً كبيرة واسعة، انما كانت مناوشات ومهاترات وقعت لأسباب تافهة بسيطة. ففي الفجار الأول لم يرق فيه دم، وانما محاورات وخصومة كلامية بن كنانة وهوازن بسبب حادث بسيط لا يستوجب في الواقع خصومة ولا اشتباكات. فقد تطاول"بدر بن معشر الغفاري" "بدر بن معسر الغفاري" على الناس , بأن جلس بعكاظ في الموسم والعرب مجتمعة فيه، ثم مد رجله وقال: أنا أعز العرب، فمن زعم انه أعز مني فليضربها بالسيف. فوثب رجل من "بني نصر بن معاوية" اسمه "الأحمر بن هوازن" فضربه بالسيف على ركبته فقطعها، فتحاور الحياّن: أهل المضروب مع أهل الضارب عند ذلك. حتى كاد أن يكون بينهما الدماء، ثم تراجعوا ورأوا ان الخطب يسير.
وفي الفجار الثانية وقعت بينهم دماء يسيرة.وكان سببه عبث شباب من قريش وكنانة بامرأة من بني عامر بن صعصعة وكانت وضيئة حسانة رأوها بسوق عكاظ، فأرادوا منها أن تكشف لهم عن برقعها، فثارت ونادت: "يا آل عامر"، ونادى الشباب قومهم، فالتحموا في قتال لم يكن هذا الحادث ليوجبه , ثم انتهى بتوسط "حرب بن أمية" "الحارث بن أمية" باحتمال دماء القوم.
أما الفجار الثالث، فكان بسبب دين كان لرجل من بني جشم بن بكر بن هوازن على رجل من كنانة، فلواه به، ولم يعطه شيئا منه. فلما أعياه، وافاه في سوق عكاظ بقرد، وجعل ينادي:" من يبيعنى مثل هذا الربّاح بمالي على فلان بن فلان الكناني. من يعطيني مثل هذا بمالي على فلان بن فلان الكناني! رافعاً صوته بذللك، فلما أكثر من ندائه، مرّ به رجل من بني كنانة، فقتل القرد، فهتف الجُشمي: "يا آل هوازن"، وهتف الكناني: "يا ا ل كنانة" وتجمع الحيّان حتى تحاجزوا، ولم يكن بينهم قتلى، ثم كفوا وقالوا: " أفي رباح تريقون دماءكم، وتقتلون أنفسكم ?" وأصلح عبدالله بن جدعان بينهما.
ووقع الفجار الآخر بسبب رجل خليع سكير فاسق، اًتعب قومه فخلعوه وتبرأوا منه فخرج منهم، وصار يتنقل من قبيلة إلى قبيلة ومن سيد إلى سيد يطلب الحماية والجوار. فلما لفظه الجميع، وتعبوا منه، ذهب إلى مكة مستجيراً بحرب بن أمية، فحالفه، وأحسن جواره. ثم شرب بمكة، وعاد إلى سيرته الأولى، فهمّ حرب بخلعه، فخرج من مكة، وذهب عنه إلى الحيرة. فما كان هناك، عرض على النعمان بن المنذر أن يتولى له حماية لطيمته،ويجيزها له على أهل الحجاز.
وسمع بذلك عروة الرحال، وهو يومئذ رجل هوازن، فاحتقر أمر هذا الخليع: "البراض بن قيس الكناني"، فقال للملك: أكلب خليع يجيزها للك ? أبيت اللعن، أنا أجيزها لك على أهل الشيح والقيصوم في أهل نجد وتهامة. فدفعها النعمان إليه، وخرج عروة بها، والبراض بن قيس بتعقبه. فلما كان بأوارة غافله البراض، فقتله، واستاق اللطيمة إلى خيبر. ولما بلغ خبر مقتل عروة كنانة وهوازن، هاج ا الطرفان، واشتبكا في قتال وقع بموضع نجلة، فاقتتلوا حتى دخلت قريش الحرم، وجنّ عليهم الليل فكفوا.
وجرّ عمل هذا الخليع إلى وقوع جملة أيام أخرى، أدت افا اضطراب الامن في مواسم أمن ما كان يحدث فيها قئال. فبعد عام من يوم نخلة، تجمعت قريش وكنانة بأسرها والأحابيش ومن لحق بهم من بني أسد بن خزيمة ن لملاقاة سليم وهوازن، ووزع عبدالله بن جُدعان السلاح على الشجعان الفرسان المعروفين بالشجاعهٌ والصبر، وسلحَّ يومئذ مئة كميّ بأداة كاملة،سوى من سلَح من قومه واجتمعوا بموضع شمطة من عكاظ في الايام التي تواعدوا فيها على قرن الحول.
وترأس المتقاتلين المتواعدين سادات ذلك الوقت المعروفون. وعلى كنانة كلها حرب بن أمية، ومعه عبدالله بن جُدعان وهشام بن المغيرة وهما على الميمنة والميسرة، وعلى هوازن وسُليم كلها مسعود بن معتب الثقفي. وفي بني عامر ملاعب الأسنة أبو براء، وفي بني نصر وسعد وثقيف سبُيع بن ربيع، وفي بني جشم إلصمة والد دريد وفي غطفان عوف بن أبي حارثة، وفي بني سُليم عباس ابن زغل، وفي فهم.وعدوان كدام بن عمرو.
وكانت الدائرة في أول النهار لكنانةء على هوازن، حتى إذا كان آخر النهار تداعت هوازن وصابرت، وانكشفت كنانة فاستحر القتل فيهم، فقبْل منهم تحت رايتهم مئة رجل، ولم يقتل من قريش أحد يذكر، فكان هذا اليوم لهوازن على كنانة وقريش.
وقد وقع الفجار الثاني بعد الفيل بعشرين سنة، وبعد موت عبد المطلب باثنتي عشرة سنة على رواية. ويعد كل من أيام العرب المشهورة، وهو أشهر من يوم جبلة الذي وقع قبله في بعض الروايات.
وعادت هوازن وكنانة إلى الحرب، والتقوا على قرن الحول في اليوم الثالث من أيام عكاظ، واقتتلوا وكانت الهزيمة على كنانة. وقد عرف هذا اليوم بيوم العبلاء.
يتبع
( ان دراسة التاريخ تضيف الى الاعمار اعمارا ... و امة بلا تاريخ فهي بلا ماضي و لا حاضر و لا مستقبل )
يارب الموضوع يعجبكم
تسلموا ودمتم بود
عاشق الوطن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق